قال خبراء في قطاع الطاقة إنه وعلى الرغم من أن دور وكالة الطاقة الدولية لا يتعدى أن يكون أكثر من استشارياً أو هكذا ظهر خلال السنوات الماضية، إلا أن انتقال رئاستها إلى الياباني نوبو تاناكا مديرا للوكالة خلفا للفرنسي كلود مانديل الذي تنتهي مهامه رسميا في أواخر شهر أغسطس المقبل من شأنه أن يحدث تغييراً كبيراً في خريطة إمدادات النفط العالمية.

ويستند أولئك الخبراء إلى وقائع محددة أهمها التباين الواضح في الرؤى بين المستهلكين في آسيا التي يمثلها المدير القادم وأوروبا التي يمثلها مانديل، إضافة إلى بروز المنطقة الآسيوية كمستهلك رئيسي للنفط في العالم والنمو السريع الذي تشهده معدلات الاستهلاك في بعض بلدانها الرئيسية كالصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وأثارت الوكالة التي يوجد مقرها في باريس وتقدم المشورة في مجال الطاقة إلى 26 دولة صناعية جدلاً كبيراً خلال الفترة الأخيرة نظراً لما أسماه بعض الخبراء بالتناقض الواضح في رؤاها، فعلى الرغم من أن الوكالة تتحدث عن رغبتها في احداث توازن يحافظ على حقوق المستهلكين والمنتجين على السواء، لكنها بعثت بإشارات متباينة حول موقف الأسواق. ومضى البعض إلى أبعد من ذلك حينما وصفوها بالميل لهضم حقوق المنتجين.

وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار مواطن غير أوروبي لشغل هذا المنصب، وقال تاناكا أن التحديات التي سيواجهها تتضمن العمل عن كثب مع دول من خارج الوكالة مثل الصين والهند بشأن استخدام مخزونات النفط الخام للطوارئ. وأشار إلى أنه ونظراً للتطورات الاقتصادية الحالية تبرز دول غير أعضاء مثل الهند والصين كمستهلكين كبار الأمر الذي يستدعي توسيع التعاون معهما بشكل أكبر. ونظراً لأن الدول الأعضاء بالوكالة تلتزم بإبقاء إمدادات 90 يوما من النفط مخزنة كاحتياطي فإن اتجاه بلدان مثل الصين والهند لتبني استراتيجية الإفراج الفردي عن مخزوناتها ربما لا يخدم هدف الحفاظ على التوازن. وربما يكون الوصول إلى مثل هذا الهدف أمراً صعباً فالوكالة لم تنسق إفراجا عالميا عن المخزونات الا مرتين في تاريخها الذي يرجع إلى 32 عاما.

ومن بين الرؤى الجديدة التي يحملها تاناكا تبني مسار متلازم يتضمن أمن الطاقة وترشيد الاستهلاك مع تطوير مصادر بديلة. ويقول إن التحدي الذي تواجهه الوكالة يتمثل في استثمارات الطاقة التي تعتبر أمراً مهماً للغاية بالنسبة للمنتجين والمستهلكين على السواء. وهنا تكمن مشكلة كبيرة وهي الاختلاف في الرؤى بين المعسكرين، فالمنتجون يرون أن الأسعار المتدنية لا تخدم هدف زيادة الاستثمارات، في حين يطالب المستهلكين البلدان المنتجة بضرورة القيام بخطوات فورية في مجال زيادة الاستثمارات وتوسيع الإنتاج من أجل أحداث توازن في الأسواق.

وكان كلود ماندل قد طالب في مؤتمر عن سياسات الطاقة عقد مؤخراً في بروكسل منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» زيادة الإنتاج البترولي لسد نقص المعروض في أسواق النفط. وأشارت الوكالة في أكثر من مناسبة إلى أن خفض إمدادات أوبك يعتبر أحد أهم العناصر المؤثرة على أسواق النفط. وأضاف التقرير أن بيانات شهري يناير وفبراير تنم عن قلق واضح حيث أن الانخفاض الأخير في الخام وأيضاً البنزين ومخزون التقطير جعل القوائم تصل إلى مستويات ترتبط بارتفاع الأسعار الحاد خلال الفترة الأخيرة التي وصل فيها الخام الأميركي إلى أكثر من 62 دولاراً للبرميل.

ولم تكن هذه الرؤية هي وليدة اليوم بل ظلت هي الديدن الذي يحدد استراتيجية الوكالة منذ عهد المدير السابق روبرت بريدل الذي كان يردد نفس الرؤى. وحرصت الوكالة على التأكيد قبيل أي اجتماع لأوبك تسبقه هزة في الأسواق على التأكيد على عدم الحاجة لتخفيض الإمداد، معتمدة بكثرة على عودة العراق للسوق. وكرر مانيدل أكثر من مرة القول على أن أسعار النفط مرتفعة للغاية في الوقت الراهن وأنه يجب على الدول المنتجة ان تزيد إنتاجها. وأوضح في إحدى المناسبات «الأسعار الراهنة مرتفعة للغاية ويتعين على أوبك زيادة إنتاجها ويتعين على الدول المستهلكة كذلك خفض استهلاكها».

لكن لا يبدو أن كل شيء يسير بحسب تمنيات وكالة الطاقة الدولية، ويقول الخبير النفطي د. أنس بن فيصل الحجي إن دول الخليج التي تعتبر لاعباً رئيسياً في الخريطة الإنتاجية لن تقوم بزيادة إنتاجها بنسبة 60 في المئة بحلول عام 2030، وذلك بسبب العديد من الأمور التقنية والاقتصادية والمالية والسياسية التي تمنع زيادة الإنتاج. ويضيف في مقال له نشرته «الاقتصادية» «على سبيل المثال، تتجاهل هذه التوقعات الدراسات التي تشير إلى أن زيادة دول الخليج الإنتاج بشكل كبير ستؤدي إلى انخفاض نسبي في الأسعار، الأمر الذي يجعل الإيرادات من زيادة أقل تساوي الإيرادات من زيادة أكبر.

في هذه الحالة ليس هناك حافز اقتصادي لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في طاقة إنتاجية إضافية لن تقدم لدول الخليج شيئاً. كما تتجاهل وكالة الطاقة حاجة دول الخليج الماسة إلى الغاز الطبيعي ودوره في التنمية الاقتصادية في هذه الدول وتفترض أن كل الاستثمارات في هذه الدول ستكون في مجال النفط لمقابلة الطلب عليه في الدول الصناعية ودول الاقتصادات الناشئة.

وقررت الوكالة في توقعاتها الأخيرة مداراة الوضع عن طريقة إضافة حالة توقعات جديدة ضمن توقعاتها تفترض أن دول «أوبك» لن تقوم بالاستثمارات الكافية لزيادة الإنتاج بالشكل الذي تتوقعه وكالة الطاقة، وتم تخصيص قسم خاص لها».

وتقوم وكالة الطاقة الدولية عادة بتقدير الطلب العالمي على النفط بناء على متغيرات معروفة تؤثر في الطلب مثل السعر والنمو الاقتصادي والنمو في الطلب على النفط في السنوات السابقة وغير ذلك من متغيرات. كما تقوم بتقدير إنتاج دول خارج «أوبك» بناء على متغيرات تؤثر في إنتاج هذه الدول مثل تكاليف الإنتاج، والقوانين البيئية، والسعر، وغيرها. ولكن عند تقدير إنتاج «أوبك»، لا تقوم الوكالة بتقدير هذا الإنتاج وفقاً لمتغيرات تاريخية معروفة كما تفعل مع الطلب العالمي أو إنتاج خارج «أوبك»، وإنما تقوم بتقديره بحساب الفرق بين تقديرات الطلب وتقديرات إنتاج دول خارج «أوبك».

وفي الجانب الآخر بدأ أن الدول المستهلكة الرئيسية باتت تتبع استراتيجيات أكثر واقعية بعيداً عن الجانب النظري الذي تنتهجه الوكالة. وفي هذا الإطار قالت الحكومة الفنزويلية ان شركة البترول الوطنية الصينية ستوقع خلال أيام اتفاقا مبدئيا لتملك حصة قدرها 40 في المئة في مشروع لإنتاج خامات النفط الثقيلة في فنزويلا. وأوضح بيان أصدرته وزارة الإعلام ان البلدين يعكفان أيضاً على إعداد خطط لبناء ثلاث مصاف نفطية في الصين وسيدرسان بناء مشتركا لأسطول من ناقلات النفط. ونقل البيان عن شافيز قوله «قوة الولايات المتحدة تسير في اتجاه نزولي والصين في اتجاه صعودي. الصين هي سوق المستقبل».

وتأتي هذه الخطوة على الرغم من أن شافيز يمضي قدما في تأميم صناعة النفط في فنزويلا بتجريد شركات نفط أميركية كبرى مثل اكسون موبيل من حصص أغلبية في مشروعات الخامات الثقيلة. لكنه في الجانب الآخر يسعى لتعزيز الروابط الاقتصادية مع الصين وروسيا وإيران في إطار تشكيل ما يصفه بتحالف متعدد الأقطاب ضد الولايات المتحدة.

وتبدلت الدبلوماسية الصينية خلال السنوات الأخيرة،واختلفت عن النمط المتعارف عليه إبان تبنيها اقتصادا موجها يسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء ومواد الخام، وهى بذلك تعكس ما تشهده الصين من تغييرات اجتماعية واقتصادية ضخمة. حيث صار من الواضح أن القادة الصينيين صاروا يدركون أن عليهم اقتناص الفرص الاستراتيجية واستخدام مواردهم الاقتصادية والدبلوماسية لحماية المصالح الوطنية التي يبرز من بينها تأمين إمدادات الطاقة والمواد الخام من كافة أنحاء العام.

ويؤول البعض الجهود الصينية في هذا المجال على أنها نذير خطر على الاقتصاد العالمي لكونها تهدف إلى استهلاك القدر الأعظم من موارد العالم النادرة، ولكن البعض الآخر يرى أن تلك الجهود تمثل عملية طبيعية لاقتصاد آخذ في النمو المتواصل والمستمر.

وتعود بدايات الاعتماد الصيني على النفط من الخارج إلى عام 1993، وهو العام الذي شهد بداية بروز الصين كدولة مستوردة صافية للنفط، ومنذ ذلك الحين، زادت واردات الصين من النفط بمعدلات مرتفعة وبوتيرة سريعة، وفاجأت الصين المحللين الاقتصاديين في عام 2003 بتسجيل وارداتها النفطية ارتفاعا صاروخيا نسبته 30% بالمقارنة مع العام السابق عليه، وتجاوزت بذلك اليابان لتصبح ثاني أكبر مستورد للنفط بعد الولايات المتحدة.

وقال محلل من شركة النفط الوطنية الصينية ان واردات الصين من النفط الخام من المرجح أن ترتفع إلى 160 مليون طن في عام 2007 بزيادة بنحو عشرة بالمئة عن مستواها في العام الماضي نظرا للنمو الاقتصادي والزيادة المحدودة في الإنتاج المحلي. وقال جونج جين شوانج كبير المهندسين بمعهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع للشركة أكبر منتج للنفط والغاز في الصين ان الطلب على النفط في الصين يرتفع نتيجة انتعاش الصناعات الثقيلة منذ عام 1999 وزيادة عدد السيارات.

وأوضح جونج على هامش قمة لرؤساء شركات النفط والغاز في الصين انه يتوقع ان يرتفع الطلب الظاهري على النفط وهو الإنتاج المحلي إضافة إلى الواردات الصافية من النفط الخام ومنتجاته بما يزيد قليلا على 3,7 بالمئة إلى 380 مليون طن هذا العام من 354 مليون طن في عام 2006. لكن في غضون أربعة أعوام حتى عام 2010 من المرجح ان ينمو الطلب الظاهري بمعدل أبطأ بعض الشيء يبلغ 5,6 بالمئة سنويا ليصل إلى 455 مليون طن.

وقال جونح انه بحلول عام 2010 ستحتاج الصين لاستيراد 250 مليون طن من الخام والمنتجات النفطية من السوق الدولية. وتابع ان الخطط التوسعة الراهنة التي تنفذها المصافي وخطة التنمية الحكومية متوسطة الأجل سترفع الطاقة التكريرية في البلاد إلى 420 مليون طن بحلول عام 2010.

وتعبر الدبلوماسية النفطية الصينية عن إدراك القادة الصينيين لعجز الإنتاج المحلى عن تلبية احتياجات النمو الاقتصادي، وهو ما تجسد في قيام الصين بزيادة استثماراتها الخارجية وتعميق علاقاتها مع الدول المنتجة للنفط، بهدف تنويع مصادر الإمداد بما يتجاوز منطقة الشرق الأوسط، حيث استثمرت الصين بشكل منظم ومتواصل في أنشطة استخراج النفط حول العالم، بما في ذلك الاستثمار في أنشطة التنقيب عن النفط ومعامل التكرير وخطوط الأنابيب في عدة دول.

كما أبرمت اتفاقيات شراء طويلة الأجل مع دول في ويعكس تنامى الاستثمارات وتعميق علاقاتها السياسية مع الدول المنتجة للطاقة إدراكها بأوجه انكشافها ورغبة في تامين إمدادات الطاقة لها من خلال تنويع مصادر الإمداد بما يتجاوز منطقة الشرق الأوسط ومنذ بداية التسعينات استثمرت الصين بشكل منتظم ومتواصل في أنشطة استخراج النفط حول العالم بما في ذلك الكشف عن النفط ومعمل التكرير وخطوط الأنابيب في عدة دول ومؤخرا أمنت الصين اتفاقيات شراء طويلة الأجل فغي إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأميركا.

وعلى ذات النهج بدأت أووربا والولايات المتحدة منذ فترة ليست بالقصيرة الدخول في حوار حول الطاقة مع روسيا. لكن بالنسبة لبعض المحللين فإن الحوار حول قضايا الطاقة بين موسكو وواشنطن قد تحرك بعيدا عن الأهداف الأصلية التي كانت موضوعة له، بحيث صار هذا المجال ليس بمثابة «الجزرة» التي تقدمها الولايات المتحدة لدفع روسيا علي مواصلة عملية الإصلاحات والتغييرات، أو لحفزها على اتخاذ الإجراءات التي تكفل تقليل مخاطر مخزونها من الوقود النووي.

وأصبح لهذا الحوار أبعادا تجارية واقتصادية إلى جانب أبعاده العسكرية، ولكن يبدو أن هذا التغير لا يلبي بالكامل تطلعات الجانب الروسي الذي يرغب في إعطاء ثقل أكبر للنواحي التجارية، بحيث يشكل الحوار وسيلة تكفل له جذب المزيد من الاستثمارات الأميركية إلى قطاع الطاقة الروسي.

وتنظر روسيا إلى حوار الطاقة بينها وبين الولايات المتحدة على أنه مؤشر يعبر عن صدق توجهها نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، وعلى انه مجال يعكس مدى قدرة الدولتين في العثور على نقطة توازن بين مصالحهما المتنوعة على الأصعدة الإقليمية والعالمية. خاصة فيما يتعلق بإرساء أمن عالمي للطاقة يرتكز على الشفافية والقدرة على التنبؤ.

وترى روسيا أن امتلاكها موارد غنية من الغاز الطبيعي والنفط من شأنه أن يعزز من قدرتها على تحريك بوصله الحوار من النواحي العسكرية إلى النواحي التجارية، لاسيما في ضوء حقيقية تراجع معدلات إنتاج النفط والغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يقوي اعتمادها على الخارج في تلبية احتياجاتها المحلية.

حيث تشير التقدير انه منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي، يوجد نمو متواصل في الكلفة الإجمالية لاستهلاك الطاقة في الولايات المتحدة والتي وصل معدلها السنوي في الوقت الراهن إلى 700 مليار دولار. حيث تستحوذ المنتجات البترولية على 40% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، فيما يستحوذ الغاز الطبيعي على نسبة مقدارها 24%.

25% ارتفاعاً في الأسعار منذ يناير

ارتفع سعر النفط بنحو 25 بالمئة منذ أن بلغ أدنى مستوياته في 20 شهرا عند 90, 49 دولاراً للبرميل في منتصف يناير الماضي مدعوماً بنقص مخزونات الوقود الأميركية قبيل موسم السفر في فصل الصيف. وارتفع سعر البنزين إلى أعلى مستوياته في سبعة أشهر ليسجل في نهاية الأسبوع الماضي 0120 ,2 دولار للجالون بارتفاع 7 ,0 بالمئة. ومع تزايد غلبة العوامل المؤثرة على الأسواق يقول المحللون إن الأسعار من المتوقع أن تظل مرتفعة. وقال ديفيد مور المحلل في بنك كومنولث أوف استراليا «الوضع في الشرق الأوسط ازداد عدم تيقنا ومخاطر تصاعد التوترات دعمت ارتفاع أسعار النفط وستواصل دعمها له».

تنافس قوي في محوري العرض والطلب

تنبأ بعض المحللين ببروز خريطة نفطية جديدة خلال السنوات المقبلة، تختلف في ملامحها ومفرداتها وتضاريسها عن تلك الموجودة في الوقت الراهن، وتتمثل أبرز ملامحها، في بروز شكل من أشكال القطبية المتنافسة على منحنيي الطلب والعرض، حيث سيظهر على منحنى العرض محوريان متنافسان، وهما مناطق إنتاج جديدة في مواجهة الدول النفطية القديمة، وعلى منحنى الطلب، سيبرز محور الاقتصاديات الصاعدة في مواجهة الدول الصناعية القديمة.

فمثلما قاد ارتفاع الطلب على النفط الخام في الصين والهند والدول النامية الصاعدة الأخرى إلي تغييرات في اتجاهات الطلب العالمي على النفط، واحتدام المنافسة بينها وبين الدول الصناعية القديمة كالولايات المتحدة وأوروبا واليابان حول إمدادات الطاقة، فانه من المقدر - بحسب وجهات نظر بعض المحللين - أن يقود المسعى المحموم لتلك الاقتصاديات الجديدة المتعطشة إلى النفط، إلى تغييرات في الخريطة النفطية، على مستوى مصادر الإمداد، ببروز دول نفطية جديدة تتمتع بالقدرة على التأثير في أسعار الطاقة.

وفي هذا الإطار، تنبأ دانييل يارجين رئيس مركز كامبريدج لبحوث الطاقة ومؤلف كتاب «ملحمة السعي للنفط والمال أن يحدث تبدلا في مصادر الإمداد العالمي للطاقة، حيث ستنافس كل من إفريقيا وروسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق دول الشرق الأوسط على تلبية الطلب العالمي المتنامي على النفط.

وقالت آن كورين الرئيس المشارك لمؤسسة تحليل الأمن العالمي وهي مؤسسة بحثية في واشنطن تركز على أمن الطاقة «إن الشهية المفتوحة للعالم النامي على النفط احد أسباب ارتفاع أسعار الجازولين بالنسبة للأميركيين، ولكن وبمضي الوقت لن تشكل تلك الاقتصاديات الصاعدة أسعار النفط العالمي فحسب، ولكن كذلك الأحداث العالمية».

ومضت قائلة «إن الطبيعة البشرية باتت غير راغبة لأن ترى المزيد من الارتفاعات الفائقة في الأسعار، ومثل هذا الأمر ينطوي على انعكاسات جيو سياسية، حيث تحركت الهند والصين بقوة لتقوية علاقاتهما مع دولتين غنيتين بالنفط هما السودان وإيران، الأمر الذي أدى إلى تقويض العقوبات الأميركية ضد السودان وعرقلة الجهود الأميركية الرامية إلى دفع إيران إلى التخلي عن طموحاتها النووية».

وقالت كورين «نحن الآن بلغنا وضعا أثر فيه استهلاك الطاقة للدول النامية على خيارات السياسة الخارجية الأميركية».

ويتنبأ هؤلاء المحللون أنه مع قيام الدول المتعطشة بتحصين إمداداتها النفطية في مناطق الإنتاج الجديدة، ستتأثر مكانة دول منتجة رئيسية كالسعودية والعراق، وقال آنتونيو هالف خبير نفطي في مجموعة أوراسيا بنيويورك لإدارة المخاطر «انه توجد ثمة حاجة للطاقة لتطوير الاقتصاد لذا ينطوي تأمين إمدادات الطاقة على قيمة استراتيجية ضخمة».

وتعد روسيا أحد الفائزين المحتملين، إلى جانب بعض الدول التي كانت تشكل فيما مضى الاتحاد السوفييتي السابق. حيث يمتلكون 78 بليون برميل احتياط مؤكد، ولكن تقديرات هيئة المسوح الجيولوجية الأميركية تشير إلى أن هناك ربما 171 بليون برميل من الاحتياطات غير المكتشفة في هذه المنطقة.

وقال جاري سويندل مهندس نفط مستقل يتركز عمله في تقدير الاحتياطات ان روسيا تمتلك إمكانيات ضخمة، وهى لم يتم استكشافها بشكل حقيقي، أما الفائز الآخر، فهي أفريقيا التي تمتلك احتياطات مؤكدة مقدارها 87 بليون برميل، فضلا عن احتياطات مقدرة وغير مكتشفة مقدارها 125 بليون برميل خصوصا في غرب إفريقيا، وتمتلك أميركا الجنوبية والوسطى نفس الكميات، ولكن على غرار حالة روسيا، توجد العديد من مواقع الاحتياطات النفطية في المناطق النائية.

ومن المتوقع أيضا أن تبرز دول أخرى منتجة للنفط في نصف الكرة الغربي، من بينها كندا والمكسيك اللتان تعتبران في الوقت الراهن ثاني وثالث اكبر موردين للنفط للولايات المتحدة، ولكن لاعبي النفط الأصغر في نصف الكرة الغربي يغازلون الدول المنافسة لواشنطن.