أكد الدكتور أكبر الجعفري، الرئيس التنفيذي لـ (جفكون) لاستشارات تحسين الإنتاجية أن نسبة الدقة العالمية في انجاز العمل لا تتجاوز 8% و أن 72% من نشاطاتنا لا تقدم أي قيمة مضافة وأن 20% الباقية تذهب إلى الفئة المتوسطة التي تحتاج إلى تحسن الأداء والإنتاجية.
وقال إن دبي نجحت في خلق مئات الآلاف من فرص العمل بالرغم من عدم امتلاكها للموارد الطبيعية أو الجغرافيا وهذا يؤكد أن شل العمالة وتعطيلها ليس نابعا من أسباب اقتصادية بل من أخطاء الإدارة وفشلها، موضحا أن دبي والبحرين والأردن في المراتب الأولى بين الدول العربية على مؤشر الدول الأكثر إنتاجية وتونس والمغرب تقتربان من تحقيق مستويات جيدة. وأشار إلى أن دبي دخلت قطاعات استثمار غير تقليدية ونوعية وذكية في العقارات والخدمات منذ 30 سنة بينما يدأب المنتقدون بوصفها بالتهور وبالفقاعة إلا أنهم كلما أمعنوا في تضخيم المخاطر المحيطة بتجربتها تفاجئهم دبي بالمزيد من الانجازات وأشار إلى أن هناك الكثير من الجهات التي تتغنى بنجاح تجربة دبي من خلال مقارنتها بدول المنطقة، والسؤال هنا مع من نقارن هذه المدينة اليافعة؟ وهي شبه محاطة بالعدم ! داعيا إلى ضرورة مقارنة دبي مع الدول المتقدمة مثل السويد وهولندا وهونغ كونغ وأيرلندا وسنغافورة بدلا من مقارنتها بدول الجوار.
وقال إن 64% من أداء المؤسسات يتأثر بمواردها البشرية و20% يتأثر بالموارد المالية و16% بالبنية التحتية ، معرفا الإنتاجية بأنها الاستغلال الأمثل للمصادر المادية التقليدية(رأس المال والمعدات والأصول) وغير الملموسة(المعلومات وأنماط الإدارة والنظم) والمصادر الجديدة مثل القوة الذهنية والطاقة الحدسية والقوة الارتباطية مع العالم، بحيث تزداد قوة الإقليم أو الدولة بازدياد ارتباطها مع الدول الأخرى، وعلى سبيل المثال، دبي هي أكثر المدن العربية ارتباطا بالعالم، وهو ما يجعل القدرة التنافسية أقوى من غيرها من المدن في العالم. وأشار إلى القوة الارتباطية التي تمكننا من حل الكثير من المشاكل عن بعد وتبادل الخبرات والمعارف عبر تقنيات الاتصالات الحديثة. وأضاف: نعود إلى تعريف الإنتاجية بأنها حسن استغلال المصادر وهي الفرق بين أي مدخلات أي عملية إنتاجية والمخرجات، وبحكم الطبيعة لا يمكن لأي نظام أن يحقق الإنتاجية المطلقة، وهذا ما يجعل الحديث عن الإنتاجية بمفهومها النسبي.
وتعتبر أميركا النموذج العالمي للإنتاجية النسبية، بحيث يتم مقارنة الدول الأخرى بها، وعلى سبيل المثال تبلغ إنتاجية البحرين ثلث إنتاجية أميركا. وفي العام الماضي حققت مدينة دبي والبحرين والأردن المراتب الأولى بين الدول العربية الأخرى على مؤشر الأمم المتحدة للدول الأكثر إنتاجية، يونيدو، وهناك دول مثل تونس والمغرب تقترب من تحقيق مستويات طيبة من الإنتاجية.
الإنتروبيا والقوى المدمرة
أشار الجعفري إلى أن هناك طاقة سلبية في الطبيعة مسؤولة عن تدمير المصادر والطاقة الايجابية من حولنا، فلو تركنا أي شيء في حال الإهمال والسكون فإنه سيفقد عنصر الحياة والإنتاجية، وهو ما يعني أن تدهور الإنتاجية هو الوضع الطبيعي وتحسينها هو الاستثناء. وأضاف: نشهد في دبي محاربة لظاهرة الانتروبيا والخمول، شأنها في ذلك شأن أي دولة أو قوة نامية، وقد أشار ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إلى دورة حياة الأمم من طفولة وشباب وهرم، وهذا ينطبق على الأفراد والمؤسسات.
وقد أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تلك الحقيقة مبكرا، وهو ما دفعه مرارا وتكرارا إلى القول بأن ما تم تحقيقه من المشاريع لا يمثل سوى 15% من الهدف المطلوب، وهو ما أبهر الجميع وخاصة هؤلاء الذين اعتقدوا بأنهم حققوا الهدف، وشعروا بنشوة الانجاز للوهلة الأولى، ولكنه بهذه التصريحات ولد فيهم طاقة جديدة وحفزهم للمزيد من الإنتاجية والعطاء لاسيما أن 85% من الطموح لم تزل قيد الانجاز، رافعا سقف الأهداف الإستراتيجية إلى الحد الأقصى.
دبي والوعي المبكر
بدأت دبي منذ عقد من الزمن بالاهتمام بهذه المفاهيم الإدارية بدءا ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز وغيرها من المبادرات البناءة، وهي الآن تركز أكثر على محور الإنتاجية في مؤسساتها، واهتمامها يثلج صدري على المستوى الشخصي وقد قمت بعدد من الدراسات والأبحاث والدورات الخاصة بدبي، في الوقت الذي تجهل الكثير من الدول ما هو معنى الإنتاجية وتربطه بطريقة عمل المصانع.
ووجودي بدبي جاء بناء على دعوة شخصية من بعض المسؤولين هنا، لمعرفتهم بنشاطاتنا في البحرين على مستوى الحكومة والقطاع الخاص، ونحن نتبادل التجارب فيما بيننا لتصبح الإنتاجية جزءا من ثقافتنا الاجتماعية وليست حكرا على مؤسسة أو جهة بعينها.
أكد الجعفري أن هناك الكثير من الجهات التي تتغنى بنجاح تجربة دبي من خلال مقارنتها بدول المنطقة، والسؤال هنا مع من نقارن هذه المدينة اليافعة، ولسان الحال يقول بأنها مدينة تكاد تكون محاطة بالعدم. وهنا يجب أن نقارن دبي مع الدول المتقدمة مثل السويد وهولندا وهونغ كونغ وأيرلندا وسنغافورة بدلا من مقارنتها بدول الجوار، التي تعاني من مشاكل وعثرات لا نهاية لها. وأرى أن الأخوة في موقع القرار يدركون هذه الحقيقة، ولهذا فإنهم يعتمدون استراتيجيات الانجازات التراكمية وتأجيل الاحتفال بالانجازات الثانوية.
من أجل إنسان منتج
الخطوة الأولى هي الوعي بضرورة تحسين الإنتاجية وعدم إهدار الموارد، وعدم الاتكال على غنى الثروات الطبيعية كما ترى بعض الدول، وأفضل وقت لتحسن الإنتاجية هو وقت الرخاء الاقتصادي والفتوة الاقتصادية وأسوء وقت هو زمن التردي والتدهور الاقتصادي.
ولعل المشهد الذي رأيته في حديقة الصفا بدبي قبل أيام يؤكد مقولة أن الاقتصاد أساس الاستقرار لاي مجتمع، فقد شاهدت أكثر من عشرين عائلة تنتمي إلى دول مختلفة، وبدأت أراقب تصرفاتهم، ورأيت علامات الرضا والسعادة على ملامحهم، وتلك الراحة النفسية لا تأتي من الفراغ بل من أجواء الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي والإنتاجية المرتفعة، وما دام هناك بشر يريدون سعادة الآخرين والحفاظ على كرامة الإنسان مهما كان لونه أو جنسه فهؤلاء هم أصحاب الاتجاه الصحيح الذين ينجزون الكثير بصمت وهدوء بعيدا عن كل الشعارات الرنانة التي لم تقدم للإنسان سوى الخراب والدمار والفقر والجهل.
الاستثمار والإنتاجية
وقال: الاستثمار قد يؤدي إلى رفع الإنتاجية أحيانا، وخصوصا إذا كانت تلك الاستثمارات ذكية وإستراتيجية، أما الاستثمارات التقليدية فلم تعد قادرة على رفع مستويات الإنتاجية كما يعتقد البعض. على سبيل المثال، كانت إنتاجية استغلال الأراضي في دبي لم تكن مرضية ولكنها الآن أكثر إنتاجية، بفضل استغلال الأرض بشكل كبير.
واستطاعت دبي دخول قطاعات استثمار غير تقليدية ونوعية وذكية سواء في العقارات أم الخدمات أم غيرها، ومنذ 30 سنة والآخرين ينتقدون تجربة دبي والتوجه الذي سلكته، فتارة يصفونها بالتهور وتارة بالفقاعة وتارة بالمغامرة غير المحسوبة، وكلما أمعنوا في تضخيم المخاطر المحيطة بدبي تفاجئهم بالمزيد من الانجازات، وكأن نجاح هذه المدينة الصغيرة يعري فشلهم ومسلسل إخفاقاتهم المستمر. وبدلا من أن يستفيدوا من انجازات تجربة دبي اختار البعض التجريح بها والتقليل من أهميتها، فهل يعقل أن تستمر فقاعة اقتصادية لمدة 30 عام أو أكثر؟
الإنتاجية الكاذبة
وأوضح أن الدقة في انجاز العمل على المستوى العالمي لا تتجاوز 8% أما نسبة 72% من نشاطاتنا فلا تؤدي إلى أي قيمة مضافة، وهي طاقة مهدورة، لأن الانشغال والحركة العشوائية أثناء العمل لا يؤديان إلى أي إنتاج حقيقي، والحقيقة الثابتة هي احتساب ناتج العمل في نهاية يوم العمل. أي أن الشخص المشغول ليس بالضرورة أن يكون شخصا منتجا.
أما نسبة 20% الباقية فتذهب إلى فئة المتوسطة التي تحتاج إلى تحسن الأداء والإنتاجية على المستوى العالمي، أما في منطقتنا فإن هذه النسب قد تكون أقل بكثير من المعدل العالمي. إن 64% من أداء المؤسسات أيا كانت طبيعتها يتأثر بمواردها البشرية العاملة فيها، و20% يتأثر بالموارد المالية و16% بالبنية التحتية والموارد الأخرى. ولهذا فنحن بحاجة ماسة إلى تطوير مواردنا البشرية من أجل تحسين الإنتاجية والنهوض بالاقتصاد.
التجربة البحرينية
واستطرد قائلا: بدأنا في البحرين بتجربة إصلاحات في القطاع الاقتصادي وسوق العمل والتعليم، وقد بدأنا بإصلاح سوق العمل فكان أن اصطدمنا بواقع التعليم الذي يحتاج إلى إعادة هيكلة من أجل تحويل المعرفة إلى مهارات وترجمة المهارات إلى إنتاج، والملفت للنظر أن إعادة هيكلة النظام التعليمي بما يتماشى مع متطلبات سوق العمل لا يحتاج إلى فترات زمنية طويلة.
وهناك تجارب في ايرلندا والسويد وسنغافورة وماليزيا وغيرها من الدول، أدت إلى الانتقال من مرحلة المعرفة إلى المهارات إلى الإنتاجية. بدلا من التركيز على المعرفة وجعلها صنما غير قابل للكسر. ونحن هنا لا نتحدث هنا عن الموارد البشرية من حيث حقوق الإنسان والعواطف، فهي تحصيل حاصل ما دام الإنسان قادرا على توظيف قدراته الذهنية تحديدا، فنحن على مستوى المنطقة والعالم لا نستغل طاقات الإنسان ولا نتعامل معه كعنصر خاص قادر على الإبداع وليس كائنا هامشيا أو عاملا أو أجيرا تافها، كما يحلوا للشركات أن ترفع شعارات رنانة (رأسمال بشري) ثم نجدها تتعامل معهم بكل دونية واستغلال.
وهذا لا يعني أننا ندعو إلى الاستغناء عن اليد العاملة أو تسريحها عند تطبيق مفهوم الإنتاجية، ففي كثير من المؤسسات التي نفذنا فيها دراساتنا أوصينا بتقليص عدد العمال، فوجدنا أن هناك مجالات غير مشبعة تحتاج إلى تلك الأيدي العاملة، ولكن هذا لا يعني أن نحافظ على البطالة المقنعة. وقد نجحت دبي في خلق مئات الآلاف من فرص العمل بالرغم من عدم امتلاكها للموارد الطبيعية أو المساحات الجغرافية الشاسعة، وهذا يؤكد أن شل العمالة وتعطيلها ليس نابعا من أسباب اقتصادية بل من أخطاء الإدارة وفشلها.
مديرون ولكن
هناك قوانين للطبيعة ونواميس يجب أن تأخذ مجراها لكي تستمر الحياة من حولنا، فهناك حركة المجيء والذهاب، مثال ذلك جسم الإنسان الذي يتكون من 110 تريليونات خلية حية و240 نوعا من الخلايا، وهناك 300 مليون خلية تموت كل دقيقة، وبسبب موتها يستطيع الجسم الاستمرار في الحياة.
ومن أجل استمرارية أي مؤسسة أو نظام يجب أن يطبق عليها القانون نفسه الطبيعي(دخول ورحيل) على كافة المستويات، وبمقارنة خلايا الجسم التي تتكاثر خمس مرات ثم تموت وترحل، وإذا تكاثرت خارج تلك الدورة فإنها ستتحول إلى خلايا سرطانية، ولهذا نجد أن هناك موظفين ومديرين يتكاثرون مئات المرات ويتشبثون بمناصبهم إلى الأبد ويتحولون من خلايا حميدة إلى خلايا سرطانية مميتة للمؤسسة.
وهناك مدراء يتبجحون بسنوات خبراتهم الطويلة في المركز أو الوظيفة نفسها، وكأن المسألة تقاس بالكيلو أو بالسنوات، وهذا ما يجعل وطننا العربي أكبر متحف للديناصورات الإدارية في العالم. بينما يعتبر الإداريون في الغرب البقاء لفترات طويلة علامة فشل بل عيب ومساس لمسيرتهم المهنية، لذلك يلجأون إلى تسليم مراكزهم لقيادات الصف الثاني والانتقال إلى مواقع أخرى بعد سنوات قليلة، بدلا من التشبث بالكرسي وشل حركة المؤسسة وفرص تطورها.
ونستشهد هنا بما قاله نائب رئيس جمهورية إفريقيا الجنوبية عندما استقال من مهمته: في أي وظيفة تستطيع أن تنجز خلال أول 5 أو 7 سنوات أما بعد ذلك فإنك ستبدأ مرحلة الدفاع عن أخطائك التي ارتكبتها. وعلى المستوى البشري أقول للمديرين التنفيذيين والمسؤولين أن الحياة المهنية والمسؤولية ليست أبوابا موصدة ومتراكمة بل هي نوافذ وحلقات متصلة، وغلق الآفاق والأبواب هو نتيجة رهاب نفسي وخوف ونقص الثقة بالنفس.
والإنسان القوي هو شخص منفتح على محيطه ولديه الثقة بنفسه، ولنا في كبار الشخصيات الناجحة في عالم الأعمال نموذج، بيل غيتس مثلا هو جيش من المؤمنين بفكرة التطور التقني وليس فردا واحدا، وخلق من حوله أسطولا من المبدعين والمتفوقين في عالم التقنية، وكان هو المحرك لهذه الطاقات المبدعة. وريتشارد برانسون كان يقول دائما أنا لست ريتشارد برانسون بل أنا هؤلاء الذين ساندوني وأوصلوني إلى النجاح.
وهناك مديرون يتباهون بأن مؤسساتهم انهارت أو تراجعت بعد خروجهم منها، وهذا دليل على أنه كان شخصا أنانيا يعمل لصالحه الشخصي لا لصالح المؤسسة التي يعمل لديها، والمدير الناجح هو من يصنع قيادات ظل قادرة على تحمل المسؤولية من بعده. وعدد العاطلين عن الإنتاجية في وطننا العربي يتجاوز 18% في المؤسسات، وأخطر ما يهدد وطننا العربي هو الإنتاجية السالبة التي تحول الأفراد إلى مستهلكين، والمجتمع المنتج هو المجتمع المستقر سياسيا واقتصاديا، والمجتمع المستهلك وغير المنتج هو الأكثر توترا وعرضة للتفسخ والانهيار.
الشباب بين الهجرة والبطالة وإشكالية التنمية الاقتصادية والعمل
تمثل فئة الشباب الأغلبية من إجمالي عدد السكان في العالم العربي (تصل إلى 4 ,73% من المواطنين في دولة الإمارات مثلاً) وتحظى باهتمام متزايد من القيادات وصانعي القرار والمختصين في الجهات المختلفة العالمية والإقليمية والمحلية بكونها محوراً للدراسات والأبحاث والسياسات.
وقد شهدت السنوات الماضية نمواً في عدد المنظمات غير الحكومية الشبابية واعتنت بعض الحكومات العربية بهذه الفئة فأعطتها اهتماما خاصاً في تطوير إستراتيجية لإدماج قضايا الشباب واحتياجاتهم في خططها التنموية وعياً منها بأن هذه الفئة تمثل الأغلبية في المجتمعات العربية وبأن إقصاءها يعني ارتفاع في مستويات البطالة وهجرة العقول وزعزعة استقرار المنطقة.
وقد دُعيت مؤخرا بصفتي مشاركة في مشروع بحثي عن تفعيل دور الشباب في كلية دبي للإدارة الحكومية لحضور مؤتمر في مكتبة الإسكندرية بعنوان «ثقافة الشباب والإصلاح» لمناقشة كيفية تقوية مشاركة الشباب العربي في بناء المجتمع وتنميته ووضع تصور للعنصر الشبابي في السياسات العامة للدول العربية.
وشاركت مجموعة من الشباب والشابات العرب من الطلبة والناشطين في المنظمات غير الحكومية وممثلي إتحاد الطلبة في الجامعات حيث شارك كلٌ بطريقته في دفع عجلة التنمية إلى الأمام وقد حضروا للتحدث عن تجاربهم في إطار أربعة محاور رئيسية: ثقافة التنمية الاقتصادية والعمل، علاقة الشباب بالسلطة والمجتمع، دور التعليم والتدريب في اكتساب المهارات، الصور المتبادلة بين العرب والغرب.
وما إن انتقل الحضور إلى قاعة المؤتمر حيث بدأ النقاش في المحاور تبدل الجو الإيجابي وحل محله حالة من الإحباط (أو حتى البؤس الجماعي!) بغض النظر عن التباين في خلفيات المشاركين الاقتصادية والسياسية والثقافية. هذا الإحباط كان ظاهراً بشكل خاص عند الحديث عن فرص العمل ونظام التعليم في الدول العربية.
ترددت عبارة «مخرجات التعليم في العالم العربي غير متطابقة ولا تتناسب مع متطلبات سوق العمل» على أفواه العديد من الشباب باختلاف مؤهلاتهم العلمية. ولقد كان انتقادهم لما اعتبروه فشلاً ذريعاً من قبل المؤسسات التعليمية شاملاً لجميع جوانبها بدءاً بالمناهج وأساليب التدريس (التي تعتمد على الحفظ بدلاً من التفكير النقدي) وانتهاءً بالسلطات القمعية التي تتحكم بأنشطة الطلبة في الجامعات (كالتدخل غير المشروع في انتخابات اتحاد الطلبة أو الحد من مشاركتهم في صنع القرارات المتعلقة بهم).
وتميزت أغلب مداخلات الشباب بعدم القدرة على الخروج من الإطار الضيق في مطالبة الحكومة بتقديم الحلول أو إحداث التغييرات اللازمة. مثلاً عند الحديث عن الريادة ذكر المشاركون الحاجة إلى الدعم الحكومي كالعامل الأول والأهم في تشجيع العمل الحر أما العوامل الأخرى كتنمية روح المجازفة والاعتماد على النفس أو دور القطاع الخاص في دعم المشاريع الريادية فقد كانت ثانوية أو شبه غائبة مقارنة بالأهمية التي أعطيت لدور الدولة.
هذا المنظور الذي يجعل الحكومة المرجع الأساسي في كل الأمور ويحملها المسؤولية كاملة تمثلت في طرح أحد المشاركين حلاً لمشكلة عزوف الشباب عن العمل الحر وهي أنه يجب على الحكومة ألا تفتح مجالات للدراسة إلا إذا تمكنت من ضمان الحصول على عمل في نفس المجال احتذاءً بالشرطة التي توظف الخريجين من أكاديمياتها. فيجب أن تعمم المعادلة على بقية التخصصات كإدارة الأعمال للبنوك والطب للمستشفيات وهكذا.. وبالرغم من كون المتحدث رئيساً لإحدى المنظمات الشبابية إلا أنه يعتبر الحكومة المرجع الأهم في عملية التوظيف حتى عندما يكون الحديث عن التوظيف في سياق العمل الحر!
وقد نعزو عدم قدرة المشاركين على التخلص من منهج التفكير الاتكالي (أو المحصور في دور الحكومة كمرجع رئيسي) إلى العقد الاجتماعي القائم بين حكومات المنطقة وشعوبها (ومن ضمنها فئة الشباب) والذي خلق هذا الدور المهيمن للحكومة في حياة المواطنين وعززّه من خلال نظم اقتصادية معينة وسياسة سلطوية تشجع الاتكالية والاعتماد على الآخر.
عدا الاتكالية في نمط التفكير كان الشك بشتى أنواعه وصوره هو الشعور الطاغي على العديد من النقاشات، شك في الحكومة وفي قدرتها على الوفاء بعهودها الإصلاحية، شعور البعض بأنهم كشباب في موضع شك وأن السلطات تنظر إليهم بريبة. إضافة إلى ذلك الشعور بالشك بالنفس وقدرتها على أن تكون جزءاً من مسيرة تنموية أفضل من سابقاتها.
إلا أن أغلبية المشاركين الخليجيين لم يعبروا عن هذه النظرة العدائية تجاه السلطة ربما لشعورهم في بعض دول الخليج بالرضا عن البرامج التي قدمتها حكوماتهم لفئة الشباب ودور القطاع الخاص المتزايد في هذا المجال وقد يعزو البعض السبب إلى أنهم غير منخرطين بالحياة السياسية (باستثناء البحرين والكويت).
وبما أنه لا يوجد تعارض بين مصالح الدولة والأنشطة التي يغلب عليها الطابع الخيري فإن الشباب لا يواجهون العقبات أو العراقيل نفسها التي يواجهها ناشطون في بلدان مجاورة. إضافة إلى ذلك فإن المنظمات غير الحكومية في الخليج غالباً ما تكون غير مستقلة تماماً عن الحكومة بسبب مساهمة الحكام والنخبة فيها كداعمين للمشاريع أو راعيين رسميين لها.
وكانت النتيجة الثانية في المؤتمر من حيث الأهمية تكمن في تهيئة الجو المناسب لبروز هوية عربية. فبحسب نظرية تصنيف الذات، يشعر الأفراد بانتمائهم أو عضويتهم للجماعة عندما يدركون أوجه الشبه بينهم وبين الآخرين. فعندما وضع الشباب (ولكل هويته المختلفة متعلقة بأدواره المختلفة) في سياق المنتدى تمكنوا من إعادة تعريف الذات معرفياً وخلق هوية اجتماعية عربية.
وقد ظهر ذلك واضحاً في مداخلات الشباب التي بحثت عن حلول إقليمية للمشاكل مثل التعاون العربي العربي في مجال الاستثمارات بدلاً من الاعتماد على الأموال الغربية أو العمالة الشرقية، وتطور الحديث إلى الصور المتبادلة بين العرب أنفسهم واعتبر المشاركون أنه يتعين على العرب معالجة الصور النمطية المتبادلة فيما بينهم قبل أن يتوقعوا ذلك من الغرب.
ولم تكن هذه الاقتراحات مجرد مجاملات أو ملاحظات ساذجة فقد كان المشاركون على وعي تام بأن «التعاون الإقليمي له أوجه عديدة بعضها سلبي كالفساد أو التوترات الطائفية والمذهبية» وقد تطرق البعض إلى الحديث عنها. ومع ذلك فإن الحديث عن المشاكل في إطار إقليمي والتعبير عن الهوية العربية ولّد حلولاً إقليمية يستفاد منها خارج حدود القطر الواحد.
وقد كانت النقاشات غير الرسمية خارج قاعة الاجتماعات لها الأثر الأكبر في صياغة مفهوم جماعي للهوية العربية استثيرت فيه أوجه الشبه بين الأفراد وأوجه الاختلاف مع الآخر (سواء من فئة غير الشباب أو غير العرب إلخ) وهيأت جواً مناسباً لنقد الذات والبحث في حلول تمّكن الشباب وتجعلهم أقل اتكاليِةً وسلبيةً.
دبي ـ محمد بيضا


