حين افترقت السينما الكوميدية عن أصلها الدرامي، تحولت إلى كيان مستقل لفظ أنفاسه بسرعة، فاضطر كثيرون ممن أغوتهم الكوميديا، كل لأسبابه، أن يعودوا إلى رشدهم لا إلى الخلف بل إلى الأصل، كونه مقسوماً إلى قسمين: الأول؛ سمي دراما، والثاني؛ تراجيديا، وكل واحد من الاثنين يحمل تنوعاً في نوعه.

بهذا المعنى، صحت التسميات ب«الدراما الكوميدية» أو «الدراما البوليسية»، وكذلك في التراجيديا تنوع داخل النوع، وقد شاهدنا في المسرح القديم والجديد زمنياً ما اصطلح على تسميته بـ «الكوميديا السوداء»، من دون أن تتعمد حمل وزر التسمية الحرفي،حسب ما فسر البعض خطأ، النص الساخر النقدي لحالات سياسية أو اجتماعية «مسرح الشونسونييه» بالنص الكوميدي.

وفي الحقيقة، أثر الفن المسرحي الساخر «الشونسونييه»، والالتباسي «الفودفيلي»، والمبني على أسلوب مفارقات اللغة «البوليفاري»، بالسينما منذ بداياتها الأولى. وصولاً إلى مرحلة العشرينات والثلاثينات «السينما الصامتة»، مع شارلي شابلن، والناطقة مع «المهابيل الثلاثة»، و « لوريل وهاردي» وغيرهم.. الذين بنوا كوميديا منسوجة بخيوط درامية وثيرة، ظلت كذلك مع الذين ورثوا هذا الاتجاه حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين،

حيث تسللت مجموعات كثيرة، أوقعت هذا النوع في حالة خصام مع الدراما كقاعدة استنادية، وما لبثت أن دفعت نحو الطلاق ليس بين شقيقين، بقدر ما فصلت بين الفرع والأصل في عملية قيصرية، فرخت فساداً فنياً أضر بالوليد المتلمس لاستقلاليته، وأساء ت إلى مفاهيم الدراما، وازدادت غياً حين نشرت موجات المسلسلات التلفزيونية «المرحة» الساذجة، التي تحدد للجمهور متى وكيف يجب أن يضحك على خلفيات ضحكات موضبة ومعدة من ضمن الإخراج ذاته.

ثقافة الاستهلاك التي انتشرت بفعل التطورات الاقتصادية الضخمة، تطلبت ثقافات وفنون مشابهة، سريعة كوجبة سريعة، لا يهم مدى إضرارها بمستهلكها، ولا من يسأل عما تحتوي وأي جديد طرحت، أو على الأقل أي معالجة مغايرة لما سبق واستهلك، إنه السقوط من أسفل إلى أسفل.

ما سبق، لا يلغي أعمالاً كثيرة ذات قيمة في مجال الدراما الكوميدية، من أميركا وأوروبا وآسيا، لكن السنوات العشر الأخيرة كانت شحيحة، وسجل فيها اختراقات قليلة، أهمها فيلم المخرج البوسني أمير كوستوريكا «الحياة معجزة». وإذا تحدثنا عن هذا الشريط الذي لم يعرض في الصالات العربية بمجملها، سيصعب الحديث أكثر عن أعمال أخرى، خاصة تلك التي سيطرت في العقد الأخير على الإنتاجات المصرية، التي أقل ما يقال فيها إنها كارثية بكل المقاييس.

تعرض الصالات المحلية شريط الشخصية الهزلية التلفزيونية «مستر بين» التي دأب على تجسيدها الممثل روان أتكينسون من إخراج ستيف بنديلاك الانجليزي المعروف بأعماله على الشاشات الصغيرة والمغمور سينمائياً (فيلم واحد)، في أحداث تجري على شواطئ الجنوب الفرنسي، حيث يمضي «السيد بين» عطلته، مصطدماً بحظ عاثر، يشكل المادة الخام لافتعال كوميدي، حاول المخرج أن يضبطه بتجديد الحركة في زمنية الفيلم، وتلميع الكوادر، والتركيز على ربط الأحداث في سياق واحد متماسك ومنسجم على طول عرض الشريط.

ولا شك ان المخرج بنديلاك نجح في بعض ما اشتغل عليه، لكنه اخفق مع هذا الممثل «الكاريكاتوري» روان اتكينسون الذي أسر نفسه لربع قرن في شخصية «مستر بين»، حتى تحول إلى نمط من دون تجديد، سوى انه يعيد ويكرر ويجتر «أراجوزية»، تستند على تضخيم لا طائل منه، وهو في هذا العمل يزيد من سذاجته وسذاجة أدائه، وينقل ما ضجرمنه المشاهد على شاشة التلفزيون إلى الشاشة الكبيرة.

بمعنى أنه يبدل الفضاء لإطلاق فشله، عل وعسى ان ينجح، مع أنه أغمض عينيه منذ أن زج بإمكانياته في إطار الشخصية الواحدة، التي لا يمكنه الابتعاد عنها لضعفه ولقدرة الشخصية ذاتها التعايش مع هذا التكرار المستكان. ليس من جديد في هذا الشريط، ومشاهده يمكن أن ينسى أين هو؛ أمام شاشة التلفاز.. أم في صالة السينما؟! وأمام هذه الحالة الأراجوزية التي تتوخى الإضحاك، لا يستطيع معها المخرج ستيف بنديلاك شيئاً.

دبي ـ حسين قطايا