ذهب معالي سلطان بن سعيد المنصوري وزير تطوير القطاع الحكومي إلى «إن التميز المؤسسي والقيادي بات من أبرز عناصر النجاح في القطاع الحكومي، بل أصبح معيارا أساسيا لتقييم مدى تقدم الدول ومواكبتها للتطورات والتحولات العالمية، ونحن معنيون بالعمل على بناء الوجه الحضاري لدولة الإمارات والوزارات الاتحادية». كما أشار معاليه إلى سعى الوزارات الاتحادية إلى إطلاق مبادرة متميزة داخل كل وزارة بهدف نشر وتعزيز ثقافة التميز بما ينعكس بصورة مباشرة على المواطنين ومستوى الخدمات الحكومية ويخدم التنمية الوطنية ويحقق حكومة التميز.
وأوضح الدكتور يسار جرار العميد التنفيذي لكلية دبي للإدارة الحكومية، أن «التميز المؤسسي هو أحد الأركان الرئيسية في تعزيز الجودة سواء في الدوائر الحكومية أو المؤسسات الإعلامية وغيرها، ويجب أن يشمل كامل الهرم المؤسسي من القيادات وصولاً إلى صغار الموظفين».
والتميز هو الإبداع والتطوير، وأن تحقق المنظمة ما تريده بشكل يفوق كل التوقعات، وهو أن تصل إلى مكانة لا يستطيع غيرك الوصول إليها فقط بما لديه من موارد وإمكانات كما يجب أن يتوفر لديه أيضا الفكر لاستغلال تلك الموارد، وهو تطبيق الأسس الصحيحة لبناء منظمة ناجحة، وهو أن تكون دوما مختلفا عن الآخرين الذين يحاولون أن يصلوا إلى المستوى الذي أنت فيه، وهو حالة خيالية مثالية يضعها الشخص أو المنظمة أو المجتمع نصب عينيه لتحفيز الهمم نحو تحقيق انجازات عالية الجودة، وهو إنتاج كل شيء بشكل جيد.
لا يوجد هنالك تعريف ثابت وموحد للتميز وكل ما ذكر من قبل يرتبط قليلا أو كثيرا بالتميز. ولكن هناك مفهوم عملي للتميز بدأ يظهر في العقد الأخير من القرن الماضي نتيجة للتجارب والدروس التي مرت بها المنظمات في حل لغز النجاح والتغلب على المنافسة. وجوهر المفهوم هو أن أوجه التميز عديدة تختلف بحسب المجالات والأوقات .
ولكن الذي ثبت في كل الحالات هو أن المنهجية تبقى الأساس في تحقيق التميز وبدونها تتحول الجهود المبذولة إلى نتائج وقتية لا تستقر في نسيج المنظمة أو المجتمع. والسبب في ذلك يعود لكون أن التميز (مثل أي شيء في الحياة) يجب أن يمر بدورة حياة لكي ينضج، والمنهجية توفر آلية تواصل لتحقيق النضج المطلوب.
لكن هل بالإمكان تطبيق ذلك على العمل القضائي خاصة إذا أدركنا الخصوصية التي يتمتع بها هذا الجهاز؟ العمل القضائي تحكمه مجموعة كثيرة من الإجراءات التي وضع لها القانون حدود وقيود تهدف إلى توفير ضمانات لجميع المتقاضين وتكفل الحقوق والحريات لكافة أطراف النزاع، تلك الإجراءات محكومة بالقوانين الإجرائية سواء كان قانون الإجراءات الجزائية أو حتى قانون الإجراءات المدنية والتجارية.
لذا فإن القاضي لا يستطيع أن يتهاون مع أو يتجاوز عن أي إجراء متعلق بسير الدعوى وإلا فإنه يكون قد عرض العدالة إلى ظلم وهذا من شأنه أن يرجح كفة أحد الأطراف على الآخر. فعلى سبيل المثال إذا قدم المدعي مذكرة في إحدى الجلسات فإن القاضي لا يستطيع أن يحجز الدعوى للحكم، بهدف سرعة الفصل في الدعوى، من دون أن يمنح المدعى عليه فرصة للرد على تلك المذكرة المقدمة من المدعي لأن الإجراء هذا يحكمه مبدأ مهم وهو أن المدعى عليه آخر من يتكلم.
لست هنا لأجعل من العمل القضائي وإجراءاته من المجالات المحرمة على التميز المؤسسي فكل عمل إنساني قابل للتطوير وهذا يسري على القضاء وإجراءات التقاضي. الإجراءات القضائية لا نستطيع أن نجعلها خارجة عن التميز ومعايير الجودة لأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» ولكن هذا التميز يجب أن يكون مقننا من خلال تبني التشريعات الإجرائية التي من شأنها أن تحقق ذلك بحيث لا يتم التفريط في حقوق المتقاضين. ولعل التعديل التشريعي الأخير والمتعلق بأوامر الأداء خير مثال على التعديل التشريعي الذي يهدف إلى تبسيط الاجراءات.
والتي هي احد أسس التميز المؤسسي، فالقاضي إذا ما توافرت شروط أمر الأداء في الدعوى الماثلة أمامه يجب أن يقضي بعدم قبول الدعوى لإقامتها خلافا لاحكام المادة 143 من قانون الإجراءات المدنية، فالمدعي في الحالة السابقة كان من المفترض أن يرفع دعواه باعتبارها أمر أداء وهي لا تستغرق وقتا طويلا بخلاف الدعوى العادية التي تستغرق وقتا أطول.
نقطة وأول السطر ...
يستطيع الناس أن يعيشوا بلا هواء بضع دقائق.. وبلا ماء أسبوعين ..وبلا طعام حوالى شهرين.. وبلا أفكار سنوات لا حصر لها.
باحث قانوني وأكاديمي
dr.jamal@ac.gov.ae