أدى النمو الاقتصادي غير المسبوق في منطقة مجلس التعاون الخليجي، إلى نهضة موازية في مجال الأعمال الهندسية والإنشاءات، تجلت من خلال مشاريع كبرى تقدر قيمتها بمليارات الدولارات في القطاعين العام والخاص. وفي ظل هذه المشاريع الضخمة أصبح المقاولون منهمكين جداً، وتفكيرهم منصباً على الفوز بعقود المشاريع المناسبة فقط، وليس أي مشروع كيفما اتفق. والمشاريع المناسبة هي التي يتوفر فيها عادة هامش أرباح جيد، مما يجعلها فرصة لا يجب تفويتها.

ولا ينحصر التحدي هنا في عملية اختيار المشاريع المناسبة فحسب، بل يشمل تسليمها بالشكل المناسب أيضاً. وتسليم المشروع بالشكل المناسب يقتضي أن يحقق المقاول هامش الربح المنشود، إلى جانب حماية العلاقة مع المالكين المفضلين.

والواقع أن تحدي تسليم المشاريع بشكل مناسب هو أعقد وأصعب بكثير من تحدي اختيار المشروع المناسب. فالمشروع الناجح هو، من الناحية النظرية، الذي يتم إنجازه حسب الجدول الزمني وضمن الميزانية المتفق عليها، ويوفر مخرجات وفق معايير الجودة المعتمدة.

وعلى الرغم من أن الجهتين الرئيسيتين في المشروع ـ المقاول والمالك ـ قد تتفقان على الجدول الزمني ومعايير الجودة، إلا أنهما تختلفان عادة على الميزانية. ولكي يضمن المالك تحقيق أو تعزيز العائد المتوقع على الاستثمار، عليه أن يضمن أولاً، عدم تجاوز ميزانية المشروع الحد الذي أُقر في الخطة، إن لم نقل إن عليه أن يحاول تقليص تلك الميزانية.

وفي المقابل، حتى يتمكن المقاول من تحقيق أو تحسين عائد الاستثمار المطلوب، يجب أن يضمن حصوله على تعويض عن كل تكلفة إضافية في المشروع، كما عليه أن يتحرى الفرص التي تتيح له زيادة أرباحه من خلال تنفيذ المشروع بكفاءة أعلى. وبعبارة أخرى، يحاول المالك دائماً تجميد أو خفض الميزانية، في حين يحاول المقاول دائماً، زيادتها.

هذا الاختلاف في تقييم نجاح المشروع، يجعل المقاولين والعملاء حذرين من أي تغيرات قد تطرأ في حجم العمل المتفق عليه أساساً، على اعتبار أن تلك التغيرات ستؤثر على الجدول الزمني وميزانية المشروع. ومع ذلك، فإن المشاريع تخضع للأوامر المتغيرة التي تقضي إما بتوسيع أو تقليص حجم العمل. وهذا يعود إلى بعض الخصائص والعناصر الأساسية المتعلقة بالمشاريع الإنشائية، بما في ذلك الأشخاص المعنيّون بعملية التسليم، وظروف موقع العمل، والمواد المستخدمة، والحاجة إلى التواصل المكثف بين مؤسسات مختلفة.

ويضاف إلى ذلك، أن التغيرات قد تحدث نتيجة تعليق العمل، أو خلل في المواصفات، أو الرسومات، أو ضرورة تسريع موعد إنجاز المشروع. وعليه، إذا كان حدوث مثل هذه التغييرات واقع لا يجب إغفاله في هذا النوع من المشاريع، فإن على المالكين والمقاولين أن يحرصوا على حل خلافاتهم المتعلقة بتلك التغييرات كي لا تتحول إلى مطالبات تصعب تسويتها ودياً.

ويرى كثيرون أن إبرام الاتفاقيات التعاقدية يجب أن تكون قادرة على تحديد مسؤوليات التغييرات التي يمكن أن تطرأ في المشروع، ومن ثم التعامل معها بالشكل الصحيح لدى حدوثها. ومع ذلك، فإن مثل هذه الاتفاقيات تفشل عادة في معالجة التعويضات المختلفة التي تنشأ عن التغييرات، وكذلك احتساب تلك تكلفة ومقدار التعويض.

ويضاف إلى ذلك، أن البنود التعاقدية في تلك الاتفاقيات، قد تكون أحياناً، مخالفة للقانون الذي تخضع له قطعة الأرض التي يتم تنفيذ المشروع عليها. وهذه حقيقة واضحة في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، حيث أن المالكين في بعض الأحيان يستخدمون اتفاقيات تعاقدية موضوعة من قبل مؤسسات قد تفتقر إلى المعرفة أو الفهم الصحيح للقانون المدني الخاص بالمنطقة المعنية.

ولعل أوضح مثال على ذلك هو عقد الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين الذي يستند إلى حد ما، إلى القانون الأنجلوساكسوني، في حين أن الكثير من القوانين المدنية في المنطقة منبثق عن القانون اللاتيني. وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل المالكون والمقاولون على استعداد أن يغامروا ويفسحوا المجال للمطالبات أن تفسد العلاقة التي يسعى الطرفان إلى حمايتها وترسيخها، في وقت أصبح فيه المقاول الموثوق عملة نادرة؟

الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «سي إم سي إس»

Bassam.Samman@cmcs.ae