لا أكون مبالغاً إذا قلت إن قمة الرياض في أواخر مارس الماضي لم تكن قمة التضامن فقط بل كانت أيضاً قمة الإصلاح، لأنها أول قمة تضع يدها على الداء الحقيقي في الأمة العربية والذي يتمثل في عدم إعداد المواطن العربي اقتصادياً وثقافياً لكي يبدأ مسيرته الإصلاحية، كما كانت القمة الأولى -بعد ثماني عشرة قمة عادية - التي تناولت أهمية التعاون الاقتصادي العربي، وحددت طريقاً عملياً لبدايته بعد تهميشه عملاً طوال الخمسين سنة الأخيرة، حيث كان الشغل الشاغل لمؤتمرات القمة العربية الدورية السابقة إطفاء الحرائق في الأماكن المشتعلة داخل الدول العربية وبينها وبين بعضها البعض، وبينها وبين الخارج.
كانت الموضوعات السياسية العربية مع الداخل ومع الخارج تأخذ وقت القمة وقد تَخْرُجُ بالاتفاق عليها أو بالصدام فيها، وكانت الموضوعات الاقتصادية تُبحث على الهامش، ودون توصيات عملية محددة، بالرغم من التصريحات الوردية التي كانت أعلى السلطات العربية تصدرها في كثير من البلاد العربية.
وبالرغم من أهمية التعاون الاقتصادي الإقليمي في تشكيل مناطق اقتصادية إقليمية ناجحة كالاتحاد الأوروبي الذي ظهر في العصر الحديث معتمداً في قيامه على التعاون الاقتصادي الكامل وإلغاء الحدود والحواجز الاقتصادية بين الدول الأوروبية، بعيداً عن الخلافات السياسية التي كانت سبباً في صدام وصل إلى حروب عالمية ودمار وخراب كانت نتيجتها الموت لأكثر من خمسين مليون مواطن أوروبي، والمعاناة لأكثر من ضعف هذا الرقم.
كانت هذه الحقائق أمام كثير من الرؤساء العرب منذ فترة طويلة، كما كانت محل اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وهي التي جعلته يقترح في العام الماضي عقد قمتين سنوياً بدلاً من قمة واحدة، على أن تخصص الأولى لشؤون التنمية والاقتصاد فقط، والثانية للشؤون السياسية، وكرر سموه هذا الاقتراح في أوائل شهر يونيو الماضي.
حيث كانت وجهة نظر سموه في أن قدر العرب واحد وعليهم أن يواجهوا التحديات معاً في ظل إمكانيات لا شك من توافرها في المنطقة العربية، وعلى أساس أن ضعف التنمية الاقتصادية يقود إلى التهميش السياسي والثقافي والحضاري.لقد كانت دعوة جادة وأصيلة من رجل يعرف كيف يبني ويقيم صرحاً أصبح هو الأفضل والأجمل في العالم، ولقد أيد هذه الدعوة ورحب بها كثير من الزعماء وخاصة في مصر والكويت .
كما رحب بها الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي طالب بالإسراع في عقد قمة اقتصادية عربية لمناقشة الجوانب الاقتصادية المتصلة بالتعاون الاقتصادي العربي بعد أن أوشك على الانهيار، قمة اقتصادية كان يمكن أن توقف التدهور الذي انحدرت إليه المنطقة العربية.
أقول إنه خلال ما يزيد على نصف قرن كان التعاون الاقتصادي العربي مهمشاً بالرغم من ظهوره في قمة وسائل الإعلام وبالرغم من مناقشته في أكثر من مؤتمر كبير وأكثر من منتدى وندوة، كما تَصَدَّر بالكلام والاجتماعات التي مهدت لإنشاء منظمات وتنظيمات وشركات ساعدت جميعها على منع تنفيذ النصوص الواردة بالمحاور التي تم صياغتها في مجال التعاون الاقتصادي العربي، وبالرغم من احتواء هذه المحاور على عبارات وتمنيات مازالت في قلوب الغالبية العظمى من أبناء الشعب العربي، وفي مقدمتها أربعة محاور رئيسية:
- محور جامعة الدول العربية حيث يطالب الجزء الثاني من ميثاق بروتوكول الإسكندرية الموقع في أكتوبر 1944، يطالب بالتعاون الوثيق في الشؤون الاقتصادية والمالية والتبادل التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة، وللأسف لم يظهر لهذا التعاون أثر إيجابي طوال السنوات الماضية والتي انعقد خلالها تسعة عشر مؤتمر قمة عربي بينما لم يُصدِر قرارات في النواحي الاقتصادية باستثناء القمة التاسعة عشرة المنعقدة في الشهر الماضي بالرياض .
والتي وافقت على الهيكل العام للبرنامج التنفيذي للاتحاد الجمركي العربي مع تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي لوضع الآليات والبرامج التنفيذية لتطبيق هذا الهيكل وفق برنامج زمني معين، كما طالبت أيضاً بعقد مؤتمر قمة اقتصادي يخصص فقط للشؤون الاقتصادية والتنموية والاجتماعية بهدف بلورة البرامج وآليات عملية لتعزيز وتفعيل الاستراتيجيات التنموية الشاملة والمتفق عليها.
- محور معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي تم توقيعها في أبريل عام 1950 والتي تضمنت في مادتها السابعة المطالبة بأن تتعاون الدول العربية على النهوض باقتصادات بلادها واستثمار مرافقها الطبيعية وتسهيل تبادل منتجاتها الوطنية والزراعية والصناعية وعلى تنظيم نشاطها الاقتصادي وتنسيقه.
وهي المعاهدة التي نشأ بموجبها المجلس الاقتصادي العربي الذي اجتمع مرات ومرات بينما لم يصل إلى نتائج محددة في تفعيل التعاون الاقتصادي العربي باستثناء إنشاء منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى التي ألغت الجمارك على السلع العربية المتبادلة من الدول العربية اعتباراً من يناير 2005، غير أنه مازال هناك عقبات في تنفيذها حيث لم يتم بعد الاتفاق على قواعد شهادة المنشأ في تعريف السلع العربية التي نصت عليها المعاهدة وأصبحت اجتماعاته روتينية، بالإضافة إلى عقبات أخرى.
- محور مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي نشأ منذ عام 1957 ونصت اتفاقيته على تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية الكاملة وتطبيق الحريات الأربع المنصوص عليها في المادة الأولى من الاتفاقية وهي حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال، وحرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية، وحرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات، وللأسف لم تطبق حتى اليوم أي من هذه الحريات بالرغم من مرور ما يقرب من خمسين عاماً على إنشاء المجلس.
وبالرغم من قيام المجلس بإعداد اتفاقية السوق العربية المشتركة ونقل هذه الحريات إليها، وتوقيع بعض الدول العربية عليها!! ولا ينكر أحد النشاط الكبير الذي يقوم به الدكتور أحمد جويلي أمين عام المجلس، غير أن خطوات إيجابية حول تفعيل هذه الحريات أو حتى واحدة منها لم تبدأ بعد، ويبدو أنه يتم الاكتفاء بالتمهيد بإنشاء مؤسسات وشركات وعقد اجتماعات تساعد على تحقيق الأهداف فيما بعد، وعلى العكس صدر تصريح من الأمين العام في نهاية العام الماضي بأن المجلس مهدد بالتوقف في ضوء غياب جميع الوزراء العرب الذين كان يتعين حضورهم اجتماع المجلس السنوي.
(4) والمحور الرابع هو صندوق النقد العربي الذي نشأ في أبو ظبي عام 1977 وكان الكثيرون يأملون خيراً في الصندوق، خاصة في مجال التعاون النقدي والتعاون التجاري، غير أن العكس حدث أيضاً، وعلى سبيل المثال فإن من أهداف الصندوق التي حددتها اتفاقيته (المادة الرابعة) تصحيح الاختلال في موازين مدفوعات الدول العربية، واستقرار أسعار الصرف بين العملات العربية.
وتوسيع استعمال الدينار العربي الحسابي، وتهيئة الظروف المؤدية إلى إنشاء عملة عربية موحدة، وتسوية المدفوعات الجارية بين الدول العربية بما يعزز حركة المبادلات التجارية - وأتساءل .. هل تمت خطوة واحدة على طريق هذه الأهداف حتى الآن؟.. لقد شغل أكثر من شخص منصب رئيس الصندوق خلال ما يقرب من ثلاثين عاماً، وكان أولهم الدكتور جواد هاشم العراقي الذي حكم عليه بالسجن لمدة سبعة وسبعين عاماً ورد ما يقرب من ثمانين مليون دولار أميركي في أكبر قضية اختلاسات وفساد حدثت بالمنظمات العربية المتخصصة.
إن التعاون الاقتصادي العربي لم يصل إلى المستوى المناسب الذي كان يأمله أبناء الشعب العربي، ولم يحظ باهتمام الملوك والرؤساء العرب في مؤتمرات القمة السابقة إلا في قمة الرياض (قمة التضامن)، التي انعقدت منذ أسابيع قليلة، وبالتالي فإن دعوة صاحب السموالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بعقد قمة اقتصادية عربية تأتي في موعدها، ولابد من تفعيلها في أقرب وقت ممكن، لأن التأخير لم يعد في صالح الشعب العربي وسط عالم يجري ويتسابق ويتسارع ويتصارع ولا مكان فيه للتمنيات الطيبة والتوصيات النظرية والتحرك البطيء.
وإن شاء الله تكون هذه القمة الاقتصادية محل اهتمام مستمر من صاحب السموالشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو الذي أوصى بها وواصل الاهتمام في بحثها، مع فريقه الذي يضم أفضل القيادات وأكفأ الخبراء وهم الذين أقاموا بتعاونٍ كاملٍ صرحاً من أجمل المواقع في العالم، صرحاً يضم أكبر الأبراج وأعلى مستويات البنية الأساسية المدعمة بأحدث أنواع التكنولوجيا وأكبر المشروعات الصناعية في مدينة أصبحت محل أنظار العالم في كل مكان - بقيادتها، وبمؤسساتها، وبالمقيمين فيها، وبالأنظمة المطبقة بها.
إن الإصلاح العربي الحقيقي لن يبدأ إلا من الاقتصاد وليس السياسة، ولن يتحرك إلا بتوفير الحياة المناسبة لكل أبناء الشعب العربي بموجب تعاون اقتصادي عربي خالص وصادق وشامل يقوده زعماء عرب مخلصون ومتمكنون، مؤتمنون ومؤمنون بأهمية الإصلاح في إعادة هيكلة المنطقة العربية بعد تدهور تدريجي أصاب الجميع في مقتل.
كاتب اقتصادي مصري
y_elmasry000@hotmail.com