أدرك اليهود ومنذ القدم أهمية صناعة السينما وما توفره من وسيلة إعلانية سريعة الحركة والانتشار وشديدة التأثير على مزاج المتلقين ، لذلك ركز اليهود على فن السينما ودعموا عدداً هائلاً من الأفلام التي وظفوها لخدمة مشروعهم في السيطرة على عقول وقلوب المجتمعات.

ولا شك أن الدعاية الاسرائيلية بمفهومها الواسع قد لعبت دوراً مميزاً في التعبئة والإعداد النفسي ليهود العالم لتهيئة المناخات وتزييف التاريخ بأن أرض الميعاد تنتظر أبناءها وهو ما عملت عليه السينما الاسرائيلية بعد قيام دولة اسرائيل لجلب المزيد من المستوطنين من بقاع العالم.

وعلى مر العصور نجد ان صورة اليهودي كانت تمثل جماعة تقوم بشتى المهن المذمومة والمطلوبة مثل الإقراض والربا لذلك نجد أن الدراما صورتهم بالوحوش مستفيدة من الصورة الكريهة لليهود في التاريخ المسيحي.

وقد تطورت صورة اليهودي عبر العصور حتى وصلت في بدايات القرن العشرين الى تحول مغاير أثر على الصورة المأخوذة عن الشعب اليهودي ، ومن أهم العوامل التي ساعدت على تجميل صورة اليهودي أن صناعة السينما في تلك الحقبة كانت محتقرة يحترفها الهامشيون ومن لا مكان لهم داخل النسيج الاجتماعي المستقر ولكنها ايضاً صناعة ضرورية خاصة مع تزايد الأرباح وارتفاع مستوى المعيشة لدى اليهود.

ومع تصاعد شهرة وأرباح العاملين في السينما أصبح اليهود جزءاً من الطبقة العليا وبالتالي تغيرت الصورة مرة أخرى وأصبح اليهود هم أصحاب الترف والقادرين على صناعة الشهرة في العالم. من أبرز الاعمال التي عالجت الشخصية اليهودية أفلام مثل مغني الجاز وقائمة شندلير وقد سعت مجلة ساوند آند سايت الى التسجيل نقدياً لهذه الاعمال التي تناولت الشخصية اليهودية سواء في المجتمعات الاوروبية او الاميركية.

ويعد فيلم مغني الجاز مفتتح عصر جديد للسينما الناطقة ، وتدور أحداثه حول شاب يهودي ، يؤدي الدور الممثل آل جونسون يبحث عن فرصة لتأدية الأغاني الشهيرة رغم معارضة والده ، التقليدي ، الذي يعمل مرتلاً في كنيس يهودي ، والفيلم من انتاج هوليوود وبطولة يوجين بيسرر الذي قدم النموذج السينمائي الأول لليهودي اليديشي والمحرك الأساسي لهذا الفيلم هو الصراع بين التقاليد والحداثة ، وتكمن أهميته في تخطيه لما كان سائداً في الافلام الصامتة من معالجة عاطفية للموضوعات اليهودية إلى شيء من المعالجة النقدية للشخصية اليهودية ويرجع هذا الفيلم الى عام 1927.

أما فيلم قائمة شندلير للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ فبعد بداية انقسام بين القارتين الاميركية والأوروبية فمع الحضور الشديد في السينما والتلفزيون لموضوع الهولوكوست المذابح الجماعية التي تعرض لها اليهود وآخرون على أيدي النازية فضل السينمائيون الاوروبيون التركيز على الأفلام الوثائقية بينما تبنى الأميركيون أسلوب الافلام الروائية.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهرت موجة العداء للسامية فتم انتاج فيلم اتفاق جنتلمان الذي تدور احداثه حول صحفي جريء يواجه بحصار شديد من قبل المعادين للسامية يصل الى حد الامتناع عن اعطائه غرفة في فندق إضافة للتعليقات الفظة سواء من الجنود السكارى أو سيدات المجتمع الراقي. وتعتبر مدينة وارسو مكاناً ومادة على قدر من الأهمية للأفلام اليهودية ، فهي مركز للتقاليد اليديشية لثلاثة قرون تقريباً ، لذا كان المخرجون اليهود يختارون مراراً تصوير أفلامهم هناك ، حتى أولئك الذين هاجروا الى اميركا.

وقد لعبت هوليوود الدور الأميز في مساندة وتبني الافكار الاسرائيلية بإنتاجها أفلاماً إعتبرها القائمون على هوليوود بأنها الخدمة الامثل لدعم إسرائيل وانتجت الأفلام التي تتحدث عن اليهود ومعاناتهم مثل فيلم شمشون ودليلة الذي اخرجه سيسيل ديميل عام 1949 وفيلم داوود وباتشيع عام 1951 وخفايا إيزابيل عام 1953 وكلها ترمز الى الشخصية اليهودية ولكن الفيلم الذي تمت العناية بتفاصيله هو فيلم التوراة في البداية لجون هوستون والذي أنتج عام 1966

ويتحدث عن التعاليم اليهودية ويمهد عبر الاساطير والخرافات الى قيام اسرائيل ، ويتحدث أيضاً عن أن اسماعيل عليه السلام هو أبو العرب وهو من العبيد أصلاً لان أمه هاجر من جنس العبيد اما اسحق فهو أبو اليهود من نسل السادة وان أمه سارة كانت أميرة في الاصل و أن اسرائيل تمتد من الفرات الى النيل .

كما أنتج فيلم حائط المبكى عام 1969 وفيلم تحيا اورشليم للناقد الفرنسي هنري شايبيه وتدور أحداثه في القدس ، وتابعت هوليوود دعمها لإنتاج أفلام اسرائيلية وكرست كل إمكاناتها لإنتاج أفلام وتسويقها الى العالم .وفي هذا السياق بذل المخرج سيسيل ديميل جهداً استثنائياً لإخراج فيلم الوصايا العشر الذي يحقر الشخصية العربية ويزور الوقائع .

ومع أن السينما الاسرائيلية ولدت عام 1949 وبعد أن خطت خطوات بطيئة إلا أن رؤوس الاموال اليهودية والدعم الاميركي رفعا من مستوى الإنتاج في حقبة الستينات الى أرقام خيالية في عدد من الأفلام الروائية والتسجيلية وكلها لخدمة أهداف اسرائيلية ، بعد ذلك بدأت السينما الإسرائيلية تتلمس طريقها لوحدها دون أن يعني هذا الانفصال عن هولوود بل تعمقت العلاقة أكثر حين أصبحت علاقة شراكة

حيث يسيطر رأس المال اليهودي على هوليوود وتنتج الأفلام المطلوبة لصالح اسرائيل ولقد شهد قيام اسرائيل في فلسطين تحولاً كبيراً في عمل السينما الاسرائيلية وتم انتاج عدة أفلام اسرائيلية بتمويل من هوليوود كان أضخمها فيلم الخروج الذي تضمن جملة من المغالطات وتزوير الحقائق لتشويه صورة العرب وتصويرهم كمجموعة من المتوحشين المتعطشين للدماء وقتل اليهود من خلال مقاربة صورة العربي بصورة الهنود الحمر في أميركا والسعي لتطابق الصورتين بهدف تحقيق الانتشار الكبير للفيلم في الولايات المتحدة ودغدغة مشاعر الأميريكيين وكسب تعاطفهم لإقامة دولة اسرائيل في فلسطين .وقد شكل الفيلم أحد الأعمدة الدعائية لإسرائيل خلال تلك الفترة .

وبعد حرب 1967 التي أدت الى تشريد عدد كبير من الفلسطينيين واحتلال أراض عربية وقعت السينما الاسرائيلية في مأزق تراجع شعبيتها لدى الجمهور الغربي الذي شاهد صور فظائع اليهود في فلسطين فعمدت إلى اتباع خط جديد متمثل في إظهار اليهود كضحايا الارهاب العربي وعملت على إظهار قدرات الجيش الاسرائيلي الأمنية وقدرته على ردع من يحاول المس بإسرائيل حيث تم انتاج فيلم البرعم عام 1975 الذي يقدم جهاز الموساد الاسرائيلي بصورة اسطورة لا تقهر.

بعد فيلم البرعم سعى القائمون على السينما الاسرائيلية الى ابتكار اسلوب جديد في التعاطي مع الأفلام السينمائية وتم انتاج فيلم ملف القدس عام 1971 وبرزت فيه الدعاية بشكل أكثر دهاءً وخبثاً ولاقى قبولاً لدى المشاهدين الأوروبيين من خلال تركيزه على أكذوبة السعي الاسرائيلي للسلام ورفض العرب له وتبع ذلك الفيلم انتاج مجموعة كبيرة من الافلام التي تروج لإسرائيل وتخدم أهدافها.

إذاً فقد استطاعت السينما الاسرائلية التكيف مع المتغيرات التي طرأت على أمزجة المشاهد ، فتحولت من مرحلة الدعاية المباشرة الى الدعاية المستترة ولم تجد بالمقابل سينما عربية فاعلة ومؤثرة قادرة على مواجهتها وكشف تزويرها للحقائق وتحريفها للوقائع التاريخية فاستمرت في انتاج أفلام جديدة تحمل خلال هذه الفترة شعار السلام بالمفهوم الاسرائيلي

عمان ـ «البيان»: