خمس عشرة سنة من تاريخ سيادة طاجيكستان ليست بالفترة الطويلة نسبياً، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن خمس سنوات كاملة من عمرها (1992 ـ 1997) اقتطعتها الحرب الأهلية المفروضة رغم إرادتها والتي أدت إلى ضحايا عديدين وخسائر مادية ومعنوية فادحة وخراب البنية التحتية للاقتصاد الوطني.

وكانت الأحداث في طاجيكستان قد جرت وفق سيناريو مختلف تماماً وقد ظهرت على المسرح السياسي قوى جديدة غير سليمة في الغالب تطمع في السلطة مهما كان الثمن وهي تغطي وجهها الحقيقي بغطاء من الديمقراطية الزائفة والإسلام الذي لا يمت بأية صلة بما يفعلون من الأفعال التي أدت إلى بلبلة الأوضاع الداخلية واندلاع حرب الاقتتال بين أبناء شعب ينتمون إلى جنسية واحدة ودين واحد.

وأصبح مصير سيادة طاجيكستان مطروحاً على الخارطة وكانت البلاد في مثل هذه اللحظة المصيرية الدقيقة بحاجة إلى قائد جديد واعٍ بالمسؤولية يستطيع إيقاف الزحف الخطِر إلى الهاوية وإنهاء الحرب الأهلية وتوحيد الصفوف ويقود من ورائه جماهير الشعب بكل أطيافه وتوجهاته.

وجاء ذلك الرجل المنشود متمثلاً في شخص الرئيس إمام علي رحمان الذي قد ترعرع في أحضان أسرة فلاح بسيط ويعرف عن قربٍ آلام وآمال شعبه. وبفضل مجهوده الشخصي وبمساعدة الدول الصديقة والمنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة تم في عام 1997 إحراز الوفاق والمصالحة الوطنية التي تتمتع بثمارها اليوم جميع القوميات القاطنة في طاجيكستان.

وبعد عام 1977 بدأت في طاجيكستان فعلاً مرحلة العمل البنّاء لإعادة إعمار الاقتصاد الوطني المنهار وإجراء الإصلاحات الديمقراطية. وتستمر اليوم بنجاح مسيرة الإصلاحات الاقتصادية والخصخصة وتطوير وتشجيع القطاع الخاص في الاقتصاد بما فيه مجالات إنتاج وتسويق السلع الاستهلاكية وتكوين آليات اقتصاد السوق.

وأخذت تلوح في الأفق بوضوح أكثر فأكثر ملامح الاتجاهات والمسارات الأساسية بما يحظى بأولوية التنمية ليس فقط في المجال الاقتصادي، بل في المجال الاجتماعي أيضاً. وبهذا الصدد تكتسب قضايا تخفيض الفقر التي رسمته الحكومة ويشارك في تحقيقها الكثير من الدول الصديقة والمؤسسات المالية العالمية على غرار البنك الإسلامي والبنك الآسيوي للتنمية بالغ الأهمية الاستراتيجية.

وأصبحت جمهورية طاجيكستان اليوم عضواً نشطاً في منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وعديد من التنظيمات الدولية والإقليمية الأخرى وإنها كجزء لا يتجزأ من الأسرة الدولية قد دخلت بكل ثِقَلها إلي دائرة الحياة الدولية لتسهم بمشاركتها الفعالة في معالجة القضايا الإقليمية والدولية ولتوصل صوتها القوي إلى جميع أعضاء المجتمع الدولي بغية إقامة التعاون والتفاعل البنّاء في المواجهة الجماعية للأخطار والتحديات المستجدة وتستضيف الندوات والمؤتمرات وتخرج بمبادرات حول عدد من القضايا الملحة التي تواجهها الإنسانية في القرن الواحد والعشرين الحالي.

وإحدى هذه المبادرات الجليلة قد أطلقها مؤخراً الرئيس إمام علي رحمان من على منبر الأمم المتحدة وهي مبادرة إعلان أعوام 2005-2015 عقداً للعمل المشترك من أجل الماء للحياة والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 ديسمبر عام 2003 بتأييد الأغلبية الساحقة من أعضاء هذه المنظمة الدولية والتي أخذت تلوح ملامحها الأولية في الملتقى الدولي للماء المنعقد في مدينة كيوتو اليابانية في شهر مارس عام 2003 ثم تبلورت نهائياً في المؤتمر الدولي للمياه العذبة بمدينة دوشانبه في شهر سبتمبر من السنة ذاتها.

والماء - هذه الجوهرة الثمينة التي جعل الله منها كل شيء حي بحاجة إلى دقة الحفاظ وترشيد الاستخدام أكثر من أي وقت مضى. لذا فإن طاجيكستان التي تعتبر من أغنى دول المنطقة من حيث الموارد المائية لا يمكن أن تبقى لا مبالية إزاء ما تعاني منه الدول الأخرى من نقص شديد في مياه الشرب،

إذ إن ما يزيد على 65 في المئة من مياه آسيا المركزية هو الذي تتشكل في طاجيكستان التي أصبحت مساحتها التي تقدر 1ر143 ألف كم2 شرايين من الأنهار عددها 985 نهراً منه سيحون وجيحون المعروفان في الأدب الجغرافي العربي القديم وكذلك نهر «وحش» الصاخب الذي من المخطط أن تُبنى عليه ثلاث محطات كهرمائية عملاقة وواحدة منها قد تم إنشاؤها والمحطتان الأخريان قيد التنفيذ.

كما أن لدى طاجيكستان 10 آلاف نهر جليد بمساحة تقدر 5, 8 آلاف كم2 والعديد من البحيرات والخزانات المائية الطبيعية والاصطناعية إحداها بحيرة «ساريز» التي وُجدت بفعل انهيار جبلي في جبال بامير الشاهقة بمخزون يقدر 16 مليار متر مكعب من المياه النقية.

إن جمهورية طاجيكستان التي تمتلك موارد مائية هائلة لا تنضب وقدرات كهرمائية عالية لا تنفد تناشد العالم كله لتنمية التعاون الدولي في هذا المجال بغية الانتفاع منه لخير جميع شعوب المنطقة. ولقد وضعت حكومة طاجيكستان خطة لترشيد استخدام وحفظ الموارد المائية المتوفرة لديها عن طريق إنشاء محطات الكهرمائية سوف يغطي إنجازها كامل احتياجات السوق الداخلي ويتيح إمكانية تصدير ما يقارب 8 مليارات كيلوواط/ساعة من القوة الكهربائية الرخيصة إلى الدول المجاورة والقريبة منها جغرافياً.

وأغتنم هذه الفرصة لتركيز اهتمام الأجهزة المالية والاقتصادية والاستثمارية في الإمارات على المشروعات الكهرمائية الطموحة داعياً إياها إلى أن تأخذ قسطاً من المساهمة في تمويلها وتنفيذها جنباً إلى جنب مع الدول المقتدرة الأخرى قد أوردت استثماراتها إلى اقتصاد طاجيكستان.

وكذلك من العوامل التي لا يستهان بها في هذا المضمار هي الاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمن والأمان والطمأنينة السائدة في البلاد وقُرب العملة الوطنية المستقر بالإضافة إلى عودة الاستقرار تدريجياً إلى أفغانستان المجاورة التي ستكون هي الأخرى تستفيد من المشاريع الاستثمارية المقامة في طاجيكستان.

إن اقتصاد طاجيكستان الذي ذاق مرارة الحرب الأهلية يعيش اليوم مرحلة النقاهة والإنعاش. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة ليس فقط أفلحنا في إيقاف تدهور الإنتاج، بل استطعنا إحراز نمو مطرد للناتج المحلي الإجمالي بمعدل 10 بالمئة سنوياً. وإن مثل هذا التمايل يبعث فينا الأمل بمزيد من تنمية القدرات الإنتاجية لضمان التطور المطرد للاقتصاد ورفع مستوى رفاهية المواطنين.

ولتحقيق ذلك تُتخذ في طاجيكستان خطوات واثقة حثيثة لإنشاء ما هو مطلوب من البنية التحتية وشبكة واسعة من المواصلات والطرقات، منها إحياء طريق الحرير التاريخي لربط البلاد عبر الصين وأفغانستان بالبلدان الأسيوية والأوروبية عامة وبالموانئ الباكستانية والإيرانية على وجه التحديد.

إن جمهورية طاجيكستان، إذ تسعى في إطار استراتيجيتها لتحقيق التطور المستدام إلى تنمية علاقاتها الودية وإقامة أوسع التعاون مع جميع دول العالم، تعطي الأولوية في التعاون مع دول المنطقة والدول العربية والإسلامية، منها الإمارات. فمن هذا المنطلق قام الرئيس إمام علي رحمان رئيس جمهورية طاجيكستان سنة 1995 بزيارة رسمية إلى الدولة الشقيقة ليرسي مع المغفور له الشيخ زايد قاعدة صلبة لانطلاق علاقات التعاون الثنائي. وخلال ما مضى من الزمن قد حققنا معاً بعض المكاسب في مضمار العلاقات الثنائية، إلا إننا نجد أن ما حققناه لا يرتقي إلى المستوى الذي نتطلع إليه.