تستبعد شركات التوزيع السينمائية في العالم العربي، الأفلام المنتجة في أوروبا من جدولة توزيعها، لأسباب تجارية بحتة، تقيم بطريقها مستوى وعي الجمهور العربي للسينما العالمية، على انه مرتبط بالانتاجات الهوليوودية. وخاصة تلك الأنواع من المغامرات والآكشن وسواها. أي التجارية. وهذا قد يكون صحيحا إلى حد ما.
لكن شركات التوزيع ذاتها شاركت بصناعة مزاج الجمهور السينمائي العربي، إذا لم تكن قد صنعته كله في الأساس. فطغيان نوعيات سينمائية على غيرها، لم يأت من فراغ أو وليد صدفة. هذا ما تدل عليه الخمسون سنة الماضية، التي أتيح فيها للسينما الأميركية أن تطغى على سينمات أخرى على الأقل في الانتشار.
مع أن الكثير من الأفلام الأميركية ذات الوزن السينمائي الحقيقي لا تصل إلى الجمهور العربي بقدرة حكم الشركات «السلفي» على هذا الجمهور بأنه مسطح ولا يهتم بالمغايرة. لا بالكم ولا بالنوع. وهذا يخفي بين جنباته الكثير من التجني، وارتباطات اقتصادية بصناعات هوليوود الضخمة، القائمة كما كل الصناعات الأخرى الكبيرة على حجم إعلاني يؤمن قدرة تسويقية واسعة. دون أن تكون السلعة المسوقة ذات قيمة فعلية.
إضافة إلى أن ما يصرف على الإعلان المقصود يتجاوز بحجمه تكلفة السلعة ذاتها بأضعاف. هذا ما يؤثره الإعلان بالجمهور في ثقافة الاستهلاك أو في استهلاك الثقافة، لا فرق بين هذا وذاك، ما دامت الأرباح مضمونة. فلا المؤسسات الرسمية تعير اهتماما لما تستورد هذه الشركات من الخارج. ولا هي تهتم إلا برقابة «أخلاقية» على صور أحياناً كثيراً لا تخدش الحياء العام، بقدر ما تفعله أفلام العنف والدماء بتدمير بنية المشاهد النفسية وتؤهله، خاصة إذا كان مراهقا لان يتقبل فكرة القتل والسرقة والضرب والخطف بسهولة، لكثرة ما يعرض عليه من هذه الصور التي صارت أكثر من طبيعية.
السينما ثقافة. وأداة ثقافية كبيرة وضخمة ومؤثرة. على الجامعة العربية ودولها أن تعزز علاقاتها الثقافية في السينما وفي غيرها، مع مصادر أخرى إنتاجية في أوروبا واسيا ، بدل أن تبقي «السوق» غارقا إلى شوشته كما يقولون في مصر، بين أيدي هؤلاء التجار (القطاع الخاص) المعني، غير المهتم إلا بأرباح سريعة، تساهم بصناعة ذوق ثقافي مخرب ومدمر لحياة برمتها أكثر مما يدمر الأخلاق لوحدها.