بالتعاون مع جمعية متخرجي الجامعة الأميركية في بيروت فرع أبوظبي؛ قدم الفنان اللبناني رفيق علي أحمد على خشبة مسرح المجمع الثقافي مساء أول من أمس عرضه المسرحي «جرصة» الذي أداه منفرداً، ورغم وقوفه وحيداً على الخشبة والفضاء الحر الذي كان يتحرك فيه؛ إلا أن رفيق علي أحمد استطاع أن يقول عبر كلماته وحركة جسده على الخشبة، وانفعالاته التي تصل إحياناً إلى حد الثورة، ما يريد الشارع اللبناني بأكمله أن يقوله.
لقد كان لبنان بكل تاريخه وجراحه وأحزانه وأفراحه المسروقة حاضراً مع رفيق علي أحمد على خشبة المسرح، و«جرصته» هي صوت احتجاج وشجب لكل التاريخ الأسود للسياسات الطائفية التي حكمت لبنان منذ استقلاله عام 1943، ويقول رفيق في هذا الصدد: «إن السياسة الطائفية في لبنان مثل سروال ممزق لا يمكن إصلاحه، وهو بحاجة للتغيير، ويتهكم ساخراً بمرارة: في نهاية كل حرب أهلية أو صراع طائفي؛ يقول اللبنانيون دائماً أن ليس هناك غالب أو مغلوب، ويدعون لتسوية الموقف».
إن عمق نص «جرصة» يكمن في تحرر كاتبه وممثله ومخرج العمل رفيق علي أحمد من كل الرؤى الأيديولوجية والفكرية التي حكمت الأعمال الفنية اللبنانية ـ لا بل العربية أيضاً- وأفقدتها عمق الرسالة الفنية والتشكيل الإبداعي السامي الذي يرقى به الإنسان المتلقي، سواء كان هذا العمل أغنية أو لوحة أو قصيدة أو مسرحية، أو أي نتاج آخر،
ولقد أفرز المسرح والفن اللبناني بصفة خاصة مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية القائمة على هذا المنطق في التفكير الفني، ورغم ذلك فإنه يجب أن لا ينكر أحد أن العديد من الفنانين اللبنانيين، أدركوا منذ بداية الصراعات والحرب الأهلية اللعينة التي أوقدها «أخوة يوسف»؛
أدركوا اللغة الخطرة التي كرست لها بعض الأعمال الفنية ميدانها، وكان رفيق علي أحمد أحد أولئك الفنانين القلائل الذين استطاعوا تأسيس ما يمكن تسميته «مسرح الوطن- مسرح الإنسان» بعيداً عن كل التماوجات التي تعبث بالعقول وبالأرواح معاً.
من يشاهد رفيق علي أحمد وهو يدور ويقف ويجلس ويهمس ويثور في فضاء الخشبة ـ التي لا ندري إن كانت قد جاءت من شجر الأرز أم لا- يسمع ويشاهد وطناً كاملاً يتحرك على خشبة المسرح. ورغم سخرية اللغة ومباشرتها في أغلب الأحيان وابتعادها عن الطلسمة التي اعتاد «الممثل المنفرد» على استخدامها في هذا النوع من الأعمال،
فإن رفيق علي أحمد كان يقصد المباشرة في اللغة،واستخدام مفردات تحاكي الحياة اليومية اللبنانية دون تكلّف، وفي تهكمه على أصحاب القرار الذين يريدون سوق الشعب إلى المسلخ، ينتفض رفيق بصوت تملأه مشاعر الحزن والغضب والثورة على مشروع القتل الذي يلوح به الجميع: «لست ثوراً لتذبحوني وتخصوني».
لقد شهد الفن اللبناني في الأعوام الثلاثة الماضية؛ عودة لحالة الوعي الجمعي وتسخير مجموعة نصوص وأعمال لأجل قضية وطن بأكمله؛ لا قضية فئة أو شخص أو تيار يذهب وتبقى شجرة الأرز، وليت الساسة هناك يدركون «عُشر» ما أدركه أولئك الفنانون في الحفاظ على أرضهم وشعبهم.
ومن الأعمال التي رافقت عرض انطلاق «جرصة» رفيق علي أحمد: «شلح الطربوش» للمخرج إيلي كرم التي تحكي عن الدماء التي أهرقت سدى خلال تاريخ لبنان وعن الذين ماتوا عبثاً، بينما تحكي المخرجة السينمائية مي المصري في فيلمها الوثائقي «يوميات بيروت» عن حقائق وأكاذيب انتفاضة الاستقلال عبر عيون شبان شاركوا فيها وخاب أملهم،
وفي فيلم «لبنان- حرب» المؤلف من ثمانية أفلام قصيرة، تجسد السينمائية الشابة رانية اسطفان بحس مرهف الوجه الآخر للحرب التي جرت الصيف الماضي بين إسرائيل وحزب الله عبر شخصيات عادية تجاهلتها وسائل الإعلام، وإن كانت بحار الدماء التي سالت في لبنان لم تردع ساستها وأطراف فتنتها؛ فهل ستردعهم صرخة وصوت و«جرصة» رفيق علي أحمد؟!
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
