موظف أميركي في مصلحة الضرائب، يدعى هارولد كريك (ويل فاريل)، يعيش حياة روتينية مضجرة ومحسوبة بالأرقام، وبالساعات والدقائق في أكله ونومه وكل تفاصيل العيش الأخرى، إلى أن يتغير كل شيء فجأة. حين يسمع صوتاً أنثوياً يعلق على تفاصيل يومياته بسخرية تضعه أمام حالة من الجنون والانفصام، ليكتشف بعد حين انه شخصية في قصة ترويها كاتبة عاجزة عن إكمال روايتها.
مما يدفع بناشر كتبها أن يرسل لها من يساعدها على إنهاء مهمتها، التي توجب حسب السياق الأدبي للحكاية أن تنتهي بموت كريك، الذي يستعين بالأستاذ الجامعي جولز هاربرت (داستن هوفمان) لينقذه من محنته، لكن الأخير يقنعه بأن لا بد له من أن يموت حتى تحقق الرواية مبتغاها الأدبي، ولكي تنجح الكاتبة في تقديم أهم عمل مكتوب بالانجليزية في السنوات العشر المقبلة.
مفارقات كثيرة في هذا الشريط. تبدأ من مزج الخيال بالواقع، وتنتهي بدمج السينما بالأدب. لا يفصل بين كل هذه المتقابلات أو التناقضات سوى خيط من الوهم ينسج منه فضاء العمل، الذي لا يتكئ على زاوية محددة. فالشك سيد لعبة أتقنها مخرج الشريط مارك فورستر صاحب فيلم «نيفر لاند» من عامين، الخيالي المستند إلى واقع، على عكس ما يقدم هنا في «سترينجر ذان فيكشن»، حيث الواقع برمته يتحول إلى خيال. لا ينفيه أبدا. لكنه لا يتمسك به أو يثبته.
ويطرح إشكاليات كثيرة بين كل هذه العناصر مع بعضها، إضافة إلى علاقة كل عنصر بخواصه ودواخله. ومع كل هذا يبقى الشريط مفهوما وواضحا أمام من يشاهده. فهو مخرج يتمتع بتلك الصفة التي يتمتع بها كبار المبدعين عموما، المسماة السهل الممتنع. يسرد ببساطة حكايته، لا يستعرض تقنيا وفنيا.
لا يستخدم أمورا تزيينية. يطابق الشكل مع المضمون. يبدو العمل واقعيا بالكامل، ومتخيلا بالكامل. يعيد طرح أسئلة وجودية تذكرنا بالفيلسوف الفرنسي (جان بول سارتر)، لكن بأسلوب السينما «الجديدة»، التي تحاول اليوم مع مجموعة من المخرجين «الشباب» وغيرهم، الخروج من مآزقها التكراري، باجتراج حالات تجريبية تقوم في الأصل على البساطة وتعيد للسينما ما افتقرت إليه في السنوات الأخيرة.
الممثلون في «سترينجر ذان فيكشن» شكلوا معا حلقة من الحيوية يتطلبها الشريط. ماغي غلينهال صاحبة فرن صغير لصنع الحلويات تتهرب من الضرائب وتنتمي إلى «جماعات الفوضويين» وتقع في حب «كريك»، بدت تمثل روح العمل الشفافة، كما هي شفافة ورقيقة بحضورها الناعم كطيف. كوين لطيفة بشخصية المساعد للأديبة تتقن الدور بلا ادعاء.
ايما طومبسون تلعب دور كاي ايفل الكاتبة بتقنيات أداء مسرحية من وحي «بريشتي». تنجح وتضيف إلى رصيدها الفني الكبير. يبقى داستن هوفمان الذي لا يمكن أن يحضر إلى الكادر إلا ويترك به بصماته الراسخة رسوخ هذا الممثل«المعجزة » في عالم التمثيل.
أما بطل الشريط ويل فاريل فعلى ما يبدو بدا بعد سنوات من دخوله عالم السينما يتلمس طريقه نحو أمكنة يحتاجها للخروج من الأعمال الهامشية التي عمل فيها لسنوات. هو هنا لا يحقق معجزة في أدائه، لكنه قدم أفضل بكثير مما اعتدنا أن نراه .«سترينجر ذان فيكشن» يعرض في الصالات المحلية منذ بداية الأسبوع السينمائي الحالي، ويحقق نسبة مشاهدة متوسطة مع انه يستحق من المشاهدين اهتماما أكبر.
دبي ـ حسين قطايا
