تقع جزر الكناري، أو جزر الخالدات كما أطلق العرب عليها يوما، في المحيط الأطلسي، قبالة الشاطئ الشمالي الغربي لأفريقيا (المغرب والصحراء الكبرى). وهي عبارة عن أرخبيل من الجزر يتبع التاج الاسباني، يتمتع بالاستقلال الذاتي، يتكون من سبع جزر بركانية والاسم مشتق من قبائل بربر شمال أفريقيا،
حيث يطلق البربر على الجزر إسم «كنارين» أو الاحتمال الآخر، الذي يشير إلى أن «انسولارياكناريا» تعني جزر الكلب، وهوا اسم ينطبق أصلا على جزيرة «جران كاناريا»، إذ يعتقد أن سلالة شرسة من الكلاب، هاجمت الفئة القليلة من الرومان القدماء الذين أقاموا علاقات مع جزر البحر.
عندما بدأ الأوروبيون اكتشاف الجزر، واجهوا حشوداً من السكان الذين يعيشون في تلك الجزر، وبالرغم من الغموض الذي يلف طريقة استيطان جزر الكناري، فإن التحليل اللغوي والوراثي يشير إلى أن بعض هؤلاء السكان، ينتسبون إلى قبائل بربر الشمال الأفريقي، وقد عرف السكان الذين سبقوا الاستيطان ب«بالجونيش»، على الرغم من ان الاسم أصلا يطلق على سكان «تنريف».
وقد كانت الجزر معروفة لدى الفينقيين والإغريق والرومان،وهي مذكورة في عدد من الأدبيات الكلاسيكية، وبالرغم من نسيانها من قبل العالم الغربي، حتى إعادة اكتشافها، فإن المسافرين العرب من البحر المتوسط، كانوا يزورونها في العصور الوسطى.
الغزو الاسباني
بدأ الغزو الاسباني في عام 1402 بحملة قادها خوان دو يثرنكورت، وجاد فيرد ولاسال، إلى جزيرة لازاروتي، ومن هنا انطلق الزحف باتجاه فورينتورا وهيرو، حيث نصب بثرنكورن، ملكا على جزر الكناري، يتبع الملك هنري الثالث. وما لبث أن أسس بثرنكورت قاعدة له في جزيرة «جوميرا». غير أن سنوات عدّة مضت قبل بسط سيطرته الكاملة عليها.
ولقد بذل سكان «جوميرا» فضلاً عن «جران كاناريا»، وتيرنيف ولابالما، مقاومة شرسة ضد الغزاة الأسبان قرابة قرن من الزمن. وحدثت بين عامي 1448 و1459، أزمة شديدة بين قشتالة والبرتغال حول السيطرة على الجزر عندما باع ماسيوت دو بثرنكورت» لقب لورد «لانزروتي» للأمير هنري البحار البرتغالي،
وهو تصرف لم يلق قبولاً من السكان الأصليين أو السكان القشتاليين للجزر الذين اعلنوا الثورة، وطرودا البرتغاليين وفي عام 1479، اعترف البرتغاليون بسيادة القشتاليين على جزر الكناري بموجب معاهدة الساكوفاس. وقد واصل الاسبان هيمنتهم على الجزر، لكن نظراً لطبوغرافية المنطقة،
ومقاومة سكان الجونيش، فان الغزو لم يكتمل حتى عام 1495، إلى أن تحقق غزو تيرنيف ولابالما، على يد الونزو فرنانديز دولوجو، حيث دخلت الكناري تحت راية عرش قشتالة عندئذ خضع الجونيش لغير العبودية، واندمجوا تدريجياً في وسط المستعمرين الأسبان.
ولقد فرض الاسبان، بعد الغزو نموذجاً اقتصادياً جديداً يعتمد اسلوب زرع المحصول الواحد، قصب السكر اولا ثم الكرمة، وفي هذه الحقبة وضعت أولى أسس الحكم، حيث خضعت جران كاناريا، وتيرنيف، لسلطة حكام منفصلين واصبحت مدن لا بالما وجران كاناريا وسانتا كروز دو تيرنيف، نقاط توقف للغزاة الاسبان،
والتجار والبعثات التبشيرية، في طريقها إلى العالم الجديد وجلب طريق التجارة ذاك، الرخاء إلى بعض قطاعات الجزر الاجتماعية.وأصبحت الجزر غنية، وما لبثت أن جذبت التجار والمغامرين من سائر انحاء أوروبا. وشيدت القصور الفخمة والكنائس في جزيرة لابالما، خلال هذه الحقبة المزدهرة.
ومن أكثرها أهمية للزوار كنيسة ايل سلفادور، إحدى الأمثلة على الفن المعماري لعام 1500. غير أنه، ونظراً لغناها، فإن جزر الكناري تعرضت لهجمات متكررة من جانب القراصنة،ولقد جرت أهم الهجمات في عام 1599، عندما هاجم الهولندي فان دير دوز، العاصمة الوحيدة آنذاك ريل دولاس بالماس ب74 سفينة و1200 رجل، و150 عبارة إنزال،
ولقد صد الفرسان الكناريون المعتدين إلى منطقة تاماراسييت، حيث قرر الهولندي حصار المدينة، والذي تحقق بعد ثلاثة أيام من الهجوم مطالباً تسليمه جميع ثرواتها. ولقد حدث هجوم آخر على سان دو تيرنيف، من قبل هوراشيو نيلسون في 25 يوليو 1797 غير أن محاولته باءت بالفشل، وكلفت البريطانيين 400 رجل. وكانت الأخيرة.
أهم جزر الكناري وعواصمها
تتكون جزر الكناري من سبع جزر تحيط بها عشرات الجزر الصغيرة المتناثرة، وهي غران كاناريا، أو جزيرة الكناري الكبرى، وعاصمتها لاس بالماس دو جران كاناريا، وتنريف، وعاصمتها نتاكروز دوتنريف، ولا تزاروني وعاصمتها أرسيف، ولا بالما وعاصمتها سانتا كروز دولا بالما، ولا غورما وعاصمتها سان سيباستيان وإيل هيرو وعاصمتها قالفادير، وفور تنفتورا وعاصمتها تبرو ديل رو ساريو.
وهي تبعد 108 كيلومترات عن الساحل الإفريقي الشمالي الغربي. ويعتبر بركان كايديه، في تيرنيف، أعلى جبل في أسايتا، وثالث أكبر بركان في الكرة الأرضية، وتتكون هذه الجزر من قرى صغيرة عدة، تحوّل بعضها إلى مدن بفضل انتشار المنتجعات السياحية على طول شواطئها التي تحولت إلى وجهات سياحية، نظراً لدرجات حرارتها المعتدلة، على مدار العام،
والتي تتراوح بين 20 ـ 25 درجة مئوية، وزيارة جزر الكناري متعة لا يمكن وصفها، فإلى جوار الاستمتاع بالبحر والمناخ والشواطئ، يمكن الاستمتاع بالطبيعة التي يفرضها تدرج أراضي الجزيرة ما بين مستوى سطح البحر والارتفاعات التي فرضتها طبيعتها البركانية على كثير من أجزائها المرتفعة.
ما يجعلها صديقة طبيعية للكثير من الأشجار والنباتات النادرة، التي لا وجود لها إلا في تلك الجزر، ومنها الشجرة الألفية التي يطلقون عليها اسم «ألدراجو». ويؤكد بعض علماء النباتات أن بعض تلك الأشجار تعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام.
كما تقع أربع من حدائق أسبانيا الوطنية الثلاثة عشرة في جزر الكناري وهي كالديرا دوتيبورين في لابالما، وكاراجوناري ناشونال بارك في لاغوميرا، وتيديه تاتونال بارك في تزيف، وتيمانفايانا شونال بارك في لانزروت.
تبدو المناطق الشمالية من جزيرة الكناري الكبرى، جران كاناري في الصباح الباكر أكثر بريقاً تحت أشعة الشمس صبيحة اليوم الباكر، لاسيما في المناطق الصخرية التي تتدرج في الارتفاع عن سطح البحر، وتتشكل قممها الجبلية على هيئة استدارية غربية الكون تعكس جمالاً فنياً نادراً لم تمسسه يد إنسان ويصل ارتفاعها في بعض المناطق مثل روكي نوبلو إلى أكثر من 1800 متر.
ومن يعشق الطبيعة، يمكنه التوغل في الجزيرة باتجاه القرية القديمة التي يطلقون عليها اسم «أروكاس» والتي تحولت إلى مدينة صغيرة بفضل السياحة، حيث تحيط بها مناطق طبيعية شاسعة خلابة، والتي تتوسطها حديقة كالديرا دوتيبورين الطبيعية التي تعتبر من أهم المحميات التي أقامتها الحكومة حفاظاً على الكثير من الأشجار والأعشاب النادرة التي تسير نحو الانقراض.
أما عشاق البحر والشواطئ فيمكنهم الاتجاه إلى «ماسبا لوماس» حيث يمتد الشاطئ إلى نحو 27 كيلومتراً مبتدئاً من قرية سان بارتلوميه مروراً بسان أغوسطين وحتى انجلس وما سبالوماس. ومن أهم مظاهر قرية موغان، تلك القنوات الطبيعية التي تتخلل شوارعها ما يجعلها أقرب إلى مدينة البندقية،
مع اختلاف الألوان، إذ يغلب عليها اللون الأزرق الذي تعكسه أمواج المحيط على واجهات البيوت المحيطة بتلك القنوات وجدرانها عند غروب الشمس التي تتزامن أشعتها على الأمواج والبيوت معاً، حيث تمتزج زرقة البحر بشمس الغروب الذهبية.
إعداد: وائل الخطيب
