شهدت الإمارات تحولات بارزة خلال الثلاثين عاماً الأخيرة وبرزت كقوة اقتصادية رئيسية ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكذلك على المستوى العالمي. تزامن هذا التطور مع تغير في التحديات التي تواجه الدولة. بصورة عامة، تحول التركيز من «كيف يمكن بدء النمو الاقتصادي» إلى «كيف يمكن المحافظة عليه».

في الأعوام الأخيرة، برزت بين القادة والاقتصاديين والمؤسسات المالية العالمية آراء حول أهمية مسؤولية المؤسسات في تنمية المجتمع الذي تعمل فيه والحكم الصالح في نظرية النمو الاقتصادي. وبرز المحوران كعنصرين متكاملين يساهمان في التنمية الاقتصادية المستدامة والنمو الاقتصادي القوي.

وفي دراسة أجرتها مؤخراً غرفة تجارة دبي ومركز دبي لأخلاقيات العمل، شاركت 403 شركات عاملة في الإمارات (يعمل في الشركة الواحدة أكثر من 50 موظفاً وصنفت حسب القطاعات والبنى التنظيمية) في مسح لتقييم مدى التزامها بتنمية المجتمع والإنجازات التي حققتها في المجال.

- المنطلق النظري: نظراً إلى أن «الوعي» والمعرفة يعتبران شرطاً «للتطبيق»، فإن النتائج من الشركات العاملة في الإمارات تعتبر مشجعة حيث ذكرت 72% من المؤسسات المشاركة في المسح أن لديها وعياً «مرتفعاً» أو «مرتفعاً جداً» بشأن المسؤولية إزاء تنمية المجتمع.

وقد أثبتت النتائج أن قطاع التجارة يعتبر الأكثر معرفة في حين كان قطاع الصناعة الأقل وعياً بهذه المسؤولية. ذكرت معظم الشركات أن إداراتها ملتزمة تماماً بمسؤوليتها إزاء تنمية المجتمع مع عدم وجود اختلافات إحصائية كبيرة بين مختلف القطاعات الاقتصادية، وذكرت 86% من الشركات أن تجاهل تنمية المجتمع ينعكس سلباً على أدائها المالي. وترتفع نسبة هذا الرأي بين قطاع المطاعم والفنادق بينما يعتبر قطاع البناء والتشييد الأقل تأييداً لوجهة النظر هذه.

- نحو التطبيق العملي: الوعي والمعرفة بالمسؤولية المؤسسية تجاه تنمية المجتمع ضروريان لكنهما ليسا كافيين!! لذلك فقد هدف المسح أيضاً لتقييم إلى أي مدى دمجت المسؤولية المؤسسية بشكل عملي في قطاع الأعمال في الإمارات. نظراً إلى أن «مسؤولية المؤسسات إزاء تنمية المجتمع» تعتبر مصطلحاً عاماً، فقد تم تقسيمه إلى 4 مكونات أساسية هي: الإدارة المؤسسية، الشفافية المالية، أخلاقيات العمل، المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة.

-الإدارة المؤسسية: نظراً إلى أن إطار الإدارة المؤسسية قد صمم على خلفية النموذج الإنجليزي ـ الأميركي، فإن مستويات الإدارة المؤسسية تميل إلى التمايز بين الأنواع المختلفة للبنى التنظيمية. لهذا السبب فقد قسم تحليل الإدارة المؤسسية إلى شركات عائلية، شركات مساهمة عامة ومؤسسات حكومية. قد لا يكون لافتاً للنظر عدم التزام الشركات العائلية والحكومية بالنموذج الغربي للإدارة المؤسسية مقارنة بشركات المساهمة العامة. ففي حين أن 92% من شركات المساهمة العامة لديها معايير للإدارة المؤسسية فإن فقط نصف الشركات العائلية أو الحكومية تطبق معايير مشابهة.

- الشفافية المالية: أظهر المسح أن الشركات داخل الإمارات تتقيد بالشفافية المالية، ذكر كل المشاركين تقريباً أنهم يوظفون مدققين للحسابات في حين قال 72% منهم إنهم يكشفون عن النتائج التشغيلية لشركاتهم ومكافآت إداراتها والأهداف المالية بصورة منتظمة. من ناحية إحصائية، لا تختلف النتائج كثيراً عبر القطاعات المتنوعة.

- أخلاقيات العمل: تعتبر قطاعات التجارة والمطاعم والفنادق الأكثر وعياً بأخلاقيات العمل داخل الإمارات، حيث إن بين 80% و90% من هذه الشركات لديها: بيان رسالة - رؤية، القيم والمبادئ الأساسية عندها واضحة، تضع اعتباراً لأخلاقيات العمل عند اختيار موردين، ولديها قواعد وإرشادات داخلية لمتابعة سوء السلوك لدى الموظفين والتعامل معهم. بشكل عام، يعتبر قطاع البناء والتشييد، والذي يوظف أكثر من خمس العمالة في الإمارات، متخلفاً مقارنة بالقطاعات الأخرى فيما يتعلق بهذه المؤشرات، 63% فقط لديها قانون واضح للأخلاقيات والسلوك. كذلك لا يوفر قطاع البناء تدريباً منتظماً للموظفين يساعد في تطوير الإمكانيات الشخصية والمهنية أو في منع السلوك التمييزي.

- مسؤولية تنمية المجتمع: ذكرت 90% من الشركات أنها تتماشى مع قانون البيئة في الإمارات. ومع ذلك، فإن نصفها فقط يعمل على تقييم التأثير البيئي وأقلية من شركات قطاع التجارة تقوم بذلك. ذكرت حوالي ثلثي الشركات أن لديها معايير داخلية فعالة لمنع الأنشطة الضارة بالبيئة، وعلى الرغم من ذلك، يأتي قطاع البناء والتشييد خلف بقية القطاعات حيث ذكرت نصف شركاته فقط أن لديها معايير مماثلة.

ذكرت 65% من الشركات التي شاركت في المسح أن لديها مساهمات في مشاريع لتنمية المجتمع. ومع ذلك، في المتوسط أقل من نصف الشركات لديها سياسات واضحة حول كيفية إنفاق مواردها من أجل تحقيق أهدافها الاجتماعية.