«ماما ميا» حطت رحالها في دبي بعد أن تواصل معها أكثر من ثلاثين مليون إنسان حول العالم على مدار سبع سنوات حتى الآن، استمتعوا بهذا العرض الذي ينتمي إلى الميوزيكل، مؤكدين على دور الفن والموسيقى في تعميق الصلات الإنسانية والثقافية حول العالم، ولا شك أن الجمهور الكبير الذي جاء ليحضر «ماما ميا» في عامها السابع في دبي إنما جاء مؤيدا ومؤكدا على أهمية وضرورة تحقيق هذا التواصل.
ينتمي عرض «ماما ميا» كشكل فني إلى نوع من الكوميديا الاجتماعية الساخرة، وهذا النوع من الأعمال انتشر في الولايات المتحدة الأميركية وفي إنجلترا وفرنسا، وربما تعود جذوره إلى الكوميديا الايطالية ديلارتي التي ازدهرت في القرن السابع عشر وتعتبر الأب الشرعي لمعظم أشكال الكوميديا والسخرية في العالم اليوم، وغالبا ما يكون هناك حدث اجتماعي ما يؤلف العمود الفقري للعرض الذي تغلب عليه صبغة الموسيقى الدرامية والرقص والاستعراض.
تحكي قصة العرض عن فتاة في العشرين من عمرها، تعيش مع أمها في جزيرة يونانية ولا تعرف من هو والدها، فتقرر قراءة مذكرات أمها وتعود إلى الأيام التي تسبق تاريخ ميلادها بتسعة أشهر لتعرف مع من كانت تخرج أمها، ومن خلال المذكرات تعرف أن لها ثلاثة آباء محتملين، فتقرر أن تدعوهم إلى حفل زفافها في الجزيرة ريثما تكتشف من هو والدها، هذه هي القصة باختصار والتي تتكئ أحداثها على أشهر أغاني فرقة الآبا مثل (مني مني مني ) و(ماما ميا) و(دانسينغ كوين) و(اس أو اس) وغيرها.
وإذا كان هم البنت أن تبحث عن أبيها الذي لا تعرفه كي يحضر حفل زفافها، نجد ان هناك طرحا اجتماعيا خطيرا يتكئ على الاعتراف بفشل الأسرة في توفير الحماية والاستقرار لأبنائها، وربما يفاجأ المشاهد الذي أتيحت له متابعة العرض حول العالم، أن مبادئ كهذه لها علاقة بالأخلاق والعودة إلى جذور الحياة قد صار لها وقع في دول الغرب المتمدن المتهم دائما بالسطحية والانفتاح على كل جديد يتم الترويج له كمادة إعلامية واجتماعية.
ونعتقد أن مداعبة هذه القصة لمآسي الكثيرين ممن عانوا من نفس المشكلة في الغرب قد خلق جمهورا واسعا لها، ذلك أن توجه العمل الفني إلى الواقع والغوص فيه غالبا ما يخلق جمهورا فاعلا وشرائح قادرة على التواصل مع هذا العمل، وقد يكون تعاطف الشرقيين مضاعفا مع عرض كهذا نظرا لجمالياته الفنية والموسيقية أولا، ولانتصار قيمة من قيم الأخلاق والفضيلة ومراقبة مجتمعات الغرب ثانيا، بعد أن بدأت تدرك أهمية العائلة والانتماء إلى قواعد السلوك الاجتماعي الحقيقية والسليمة.
يبدو أن اهتمام المخرج قد انصب على بدائل موضوعية لفقر الخشبة بالديكور بتحقيق إضاءة خاصة تبدل الأمكنة وتسهم في خلق جماليات فنية ولا شك أن هناك اجتهادا يحكى عنه في هذا الاتجاه، مع محاولة أن تكون الثياب بديلا عن حالة جمالية واجتماعية لم يقدمها الديكور، ونلفت هنا الى ان بعض عروض الميوزيكل صارت تهتم بالمسرح الفارغ وبعض الديكورات مع الاستعاضة عن هذا بفخامة الملابس وتعددها بقصد إتاحة المجال أمام الممثلين كي يتحركوا بحرية على الخشبة.
ونلاحظ انه استعيض عن قطع الديكور الضخمة بمجسمات متحركة نقلها المخرج بذكاء على الخشبة كي يؤسس لأربعة أمكنة ثابتة كان يجري تحريكها وبسرعة وانتظام على خشبة واسعة، ورسم حركة الممثلين عليها بدقة متناهية ، وهنا لا بد أن نشيد بلياقة الممثلين وسرعة حركتهم ورشاقتهم. كما يعود المخرج إلى طقوس الأوبرا القديمة، فيضع فرقة موسيقية تعزف الموسيقى الحية أسفل الخشبة كي يصفق الناس طويلا لها وهي تعيد لذاكرتهم أغاني حميمة.
وأمام قصة اجتماعية كهذه وحضور فاعل للموسيقى ربما كانت الاستعراضات بحاجة إلى فاعلية أكثر في تحقيق معادلات درامية وفرجة مسرحية وفنية بسويات عالية لان أعمالا ضخمة كهذه، يبدو أحد اهتمامات المشاهد أن يشاهد تلك الاستعراضات فيها.
ويبقى هذا العمل مفتوحا على قراءات فنية وفكرية كثيرة، ولا شك أن الحضور الذي حققته هذه الفرقة في معظم دول العالم الـ 23 التي زارتها قد أسس لشعبية هامة لها بحيث أعادت مجد أغاني فرقة الآبا، البطل الأساسي في هذا العرض ، والتي استطاعت هي الأخرى تجاوز كل الحدود وتحقيق شعبية في مختلف أنحاء الدول.
دبي ـ جمال آدم
