خرجت أسواق الذهب في دبي عن السياق العام، وبرزت كاستثناء على قاعدة تآكل الطلب التي ضربت مراكز تجارة المعدن الأصفر على مستوى العالم بفعل بلوغ الأسعار مستويات عالية،
ورصد أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي للعمليات العمليات في مركز دبي للسلع المتعددة مثل هذه المفارقة التي دللت عليها الأرقام بشأن النمو المتواصل والمستمر لتجارة دبي من الذهب على صعيدي الواردات والصادرات خلال السنوات القليلة الماضية، ما حدا به إلى القول إن مقارنة الأرقام تؤكد الأداء الجيد لتجارة الذهب بالمقارنة مع المراكز الأخرى خاصة في أوروبا والتي تعرضت إلى تراجع مهم في مستويات الطلب بسبب الأسعار المرتفعة.
وعلى الوتيرة نفسها، أعتبر كولين جريفث رئيس بورصة دبي للذهب والسلع تبوؤ دبي مكانة بوابة الذهب للأسواق الهندية على أنها أحد الأسباب الرئيسية وراء حالة انتعاش وازدهار تجارة الذهب في أسواق الدولة، في الوقت الذي تعاني فيه أسواق العالم الأخرى من برودة الطلب، وربما حفز هذا الأمر على سريان أخبار لم يتسن التأكد من صحتها ومؤداها أن مركز دبي للسلع المتعددة يضع نصب عينيه شراء حصة مؤثرة في بورصة السلع المتعددة الهندية بهدف زيادة جاذبية دبي في الأسواق الآسيوية.
أرقام وإحصائيات
وما بين حالة السخونة التي ميزت أسواق الذهب في دبي والبرودة التي خيمت على الأسواق الأخرى، تطل الأرقام والإحصائيات التي تقدم صورة واقعية عن الوضع الحالي لسوق الذهب في دبي وآفاقه المستقبلية بدون رتوش أو ظلال،وتبين هذه الأرقام أن تجارة الذهب في دبي سلكت مسار النمو التصاعدي على مدار السنوات الثلاث الأخيرة،
حيث بلغت قيمتها في 2005 حوالي 73, 10 مليارات دولار مسجلة زيادة طفيفة بالمقارنة مع قيمة تجارة الذهب في عام 2004 والتي بلغت 7, 10 مليارات دولار، وفي عام 2006، تراجع حجم واردات دبي من الذهب على نحو طفيف ليبلغ 489 طناً مقابل 522 طناً في عام 2005، ولكن على الطرف الآخر من المعادلة نمت صادرات دبي من الذهب خلال العام المذكور بنسبة 23 % لتصل إلى 274 طناً، وضمت قائمة الشركاء التجاريين كلاً من الهند وسويسرا والمملكة المتحدة وماليزيا ودول مجلس التعاون الخليجي.
ووفقاً لأرقام مجلس الذهب العالمي، شهدت مبيعات الذهب في دبي زيادة بنسبة 41 % في الربع الثالث من عام 2006 لتبلغ ملياري درهم مقارنة بنفس الفترة من 2005، والتي بلغت المبيعات فيها 4 ,1 مليار درهم. وعلى صعيد استهلاك الإمارات من الذهب بالطن خلال الفترة نفسها، ظل مستوى الاستهلاك ثابتاً مقارنة بالعام الماضي،
وذلك على الرغم من غلاء المعيشة الذي شهدته الدولة، وعزا تقرير المجلس أسباب هذا الانتعاش إلى تدفق السياح القادمين للدولة وخاصة مدينة دبي في الربع الثالث من هذا العام، ولاحظ التقرير أن الطلب انخفض على المجوهرات الذهبية، من ناحية الكمية بنسبة أقل من 1%، أما عن إجمالي الاستثمارات بالتجزئة (عملات ذهبية وسبائك) زادت بحوالي 5 %، حتى وصلت جملة الطلب المحلي ل9, 22 طناً وهو رقم مماثل للاستهلاك في 2005.
مهرجان التسوق
وبرهن مهرجان دبي للتسوق 2006 - 2007 على أنه من أفضل المناسبات التي ينتعش فيها المعدن الأصفر. ووفقاً لتقديرات مجلس الذهب العالمي فإن المبيعات وصلت لقرابة المليار درهم في هذا العام بزيادة تقدر ب25 % عن الأعوام السابقة والتي وصلت فيها المبيعات ل800 مليون درهم.
ويعد مهرجان دبي للتسوق فرصة قيمة لكل عشاق الذهب، ليشتروا ما يحلو لهم من تصاميم مبتكرة للأسباب التالية أولاً: السعر المناسب والذي كان في متناول الجميع، ثانياً: الحملات التسويقية، السحوبات الكبيرة والعروض المتميزة التي قدرت بملايين الدراهم والمقدمة من تجار المجوهرات خلال فترة المهرجان. وما دفع العملاء لاقتناء المجوهرات الذهبية في هذا الموسم، أنها جمعت بين التصميم المبتكر والسعر المناسب. سنحت الفرصة للعملاء للدخول في سحوبات كبيرة على عملات وسبائك ذهبية أو الفوز بكيلو غرام من الذهب يومياً، وكان لهذه السحوبات اثر كبير في رفع مبيعات الذهب.
وقد فتحت الجوائز الذهبية التي كانت عبارة عن كيلو غرام من الذهب شهية العملاء على شراء المزيد من المعدن الأصفر وخلال 45 يوماً هي عمر مهرجان دبي للتسوق 2006 -2007، أيضاً لم ينس المهرجان عشاق الماس إذ توفرت لهم فرصة شراء قلادات ماسية بالغة الجمال. فضلاً عن هذه التخفيضات المتميزة والتصاميم الحديثة، فكان لكل عميل يشتري مجوهرات بمبلغ 500 درهم، الحق في دخول سحب على كيلو من المجوهرات الذهبية.
توطيد مكانة دبي
وبحسب أقوال أحمد بن سليم مدير العمليات في مركز دبي للسلع المتعددة، تعكس هذه الأرقام تنامي دور دبي كمركز للذهب، حيث انه على الرغم من بلوغ الأسعار مستويات عالية، شهدت صادرات وواردات دبي من خلال عام 2006 نمواً ضخماً، وهو ما يؤكد تعزيز دبي لمكانتها كمركز للذهب في المنطقة، ويؤكد كذلك على تسجيل أسواق الذهب في دبي أداء بالمقارنة مع المراكز الأخرى خاصة في أوروبا والتي قادت فيها الأسعار المرتفعة إلى تضاؤل مهم في مستويات الطلب في 2006.
ولفت أحمد بن سليم الانتباه إلى أن جزءاً كبيراً من تجارة الذهب في دبي يتم تداوله من خلال الشركات العاملة تحت مظلة مركز دبي للسلع المتعددة. وفي السياق ذاته، سلط كولين جريفث رئيس بورصة دبي للذهب والسلع الضوء على الأسباب الكامنة وراء ازدهار تجارة الذهب في دبي بقولة: ان تجارة الذهب عبر دبي شهدت نمواً متواصلاً على مدار عام 2006، ولامست 58, 3 مليارات دولار في الربع الأول و06, 4 مليارات دولار في الربع الثاني و74, 3 مليارات دولار في الربع الثالث،
مشيراً إلى أن أسعار الذهب والتي بلغ متوسطها 604 دولارات للأونصة في عام 2006، قد ارتفعت خلال السنوات القليلة الماضية مدعومة بمعنويات المستثمرين، ولكن نمو تجارة الذهب في دبي على هذا النحو، رغم وصول الأسعار إلى مستويات تاريخية، قد عكس جودة الخدمات والتسعير في مدينة الذهب.
وأضاف: إن هناك العديد من العوامل التي من المتوقع أن تؤثر على أسعار الذهب خلال العام الجاري، وتشمل الأداء المتذبذب للاقتصاد الأميركي وأسعار النفط والقلاقل السياسية والاجتماعية في مختلف مناطق العالم، وبالتالي، من المتوقع أن يظل السوق على درجة عالية من التقلب كنتيجة لهذه العوامل مجتمعة.
إلا أن كولين جريفث يتوقع أن تتأثر تجارة الذهب في الدولة على نحو إيجابي، وذلك بحكم أن دبي أصبحت مقصداً مهماً لتكرير وتصنيع وتجارة الذهب، فضلاً عن كون دبي قد أصبحت بوابة الذهب بالنسبة للأسواق الهندية، وعليه، ستواصل تجارة الذهب نموها عاماً بعد عام.
تغلغل الذهب في الثقافة الهندية
وتتضح سلامة هذه التوقعات في ضوء حقيقة أن الهند تعتبر أكبر مشتر للمعدن الثمين في العالم، وهذا يدل وبوضوح على مدى تغلغل الذهب في حياة وثقافة الشعب الهندي، حيث لا يكاد يمر عيد ديني أو مناسبة اجتماعية خاصة في الهند دون أن يكون إحدى عاداتها شراء الذهب، وخاصةً في الأعياد الدينية الهندوسية. وللمفارقة فإننا نجد أن أغلب مستهلكي الذهب في الهند هم من الفقراء والفلاحين، حيث يجد هؤلاء القرويون البسطاء أن أضمن مجال للاستثمار السهل هو شراء الذهب، وبالتالي، يحتل الذهب هناك عرش الحلي والمجوهرات. وقد وصلت قيمة الحلي الذهبية في الهند ـ بحسب تقديرات المجلس العالمي للذهب _ إلى حوالي 200 مليار دولار، كما زادت مشتريات الهنود من الذهب بنسبة 40 % خلال عام 2006.
ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، فإن العالم أنفق أكثر من 45 مليار دولار عام 2005 على شراء الذهب، 60% من الذهب الذي بيع ذهب إلى المناطق الريفية من الهند والصين ومنطقة الشرق الأوسط، وهي أكثر دول العالم استهلاكاً للذهب إلى جانب أميركا، ويوضح تجار الذهب أن ذلك يرجع إلى أن الدخل الزراعي غير خاضع للضريبة، ولأن النساء غير المتعلمات يفضلن الاستثمار في الذهب كضمان. ومع أن شهية العالم للذهب كبيرة بكل معنى، إلا أنه لا شيء يشبه شهية الهنود للذهب، فهم أكثر شعوب الأرض شراء للذهب.
وتشتري الهند على الأقل خمس إنتاج العالم من الذهب سنوياً. ويعتقد الخبراء وجود ما يتراوح بين 15 ألف و20 ألف طن من سبائك الذهب والمجوهرات، تمثل 11% من إجمالي إنتاج الذهب في العالم، في أقبية المصارف الهندية والخزائن في المنازل التي توجد بها نصف مدخرات البلاد.
وعلى الرغم من أن الهند ليست من أكبر الدول المنتجة للذهب مثل جنوب افريقيا، التي تنتج 72% تليها الولايات المتحدة واستراليا والصين وكندا وروسيا واندونيسيا وغانا والبرازيل والأرجنتين، إلا أنها أكبر مستهلك للذهب في العالم، فهي تستهلك مثلاً ضعفي استهلاك أميركا، على الرغم من أن الناتج القومي الهندي يبلغ 1 على 20 فقط من إجمالي الناتج القومي الأميركي. ومن الطبيعي أن يكون هناك علاقة بين عدد السكان وبين كمية استهلاك الذهب، فهناك 2 ,1 مليار صيني، ومليار هندي، و300 مليون عربي، و60% من إجمالي هذه الشعوب تشتري وتخزن الذهب بشكل منتظم.
ويقول الخبراء إنه سيكون من الأفضل ضخ الأموال التي يتم تجميدها كحلي ذهبية في الاقتصاد الهندي على المدى الطويل، ويقولون إن ما يزيد من أهمية تسييل هذا المخزون الذهبي الضخم لدى أفراد الشعب الهندي وتحويله إلى سيولة نقدية يمكن استثمارها حقيقة هو أن قيمة هذا المخزون تصل إلى حوالي ثلث إجمالي حجم الاقتصاد الهندي، ويصل إجمالي حجم الاقتصاد الهندي إلى 690 مليار دولار،
ولكن المشكلة أن هناك تراثاً ثقافياً راسخاً لدى الهنود يقدر الحلي الذهبية والمجوهرات، ويجعلها علامة أساسية من علامات الثراء وسمو المكانة الاجتماعية الأمر الذي يعرقل الجهود التي تبذل حالياً لتحويل مدخرات الهنود من الشكل الذهبي لها إلى أشكال استثمارية أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.
ومن ثم، فإن تبوؤ دبي مكانة « بوابة الذهب» للأسواق الهندية، يوفر رافداً مهمأ لتغذية أسواق الذهب في الدولة بالقوة والازدهار المتواصلين، رغم ما قد تشهده الأسواق من تقلبات سعرية في اتجاهي الصعود أو الهبوط.
حصة في بورصة السلع المتعددة بالهند
رددت وسائل الإعلام الهندية خبراً مؤداه أن مركز دبي للسلع المتعددة قد أجرى مباحثات مع بورصة السلع المتعددة الهندية لشراء حصة كبيرة في البورصة، وأفادت نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة على سير المباحثات أن مركز دبي للسلع المتعددة الذي يرغب في زيادة جاذبيته في أسواق السلع الآسيوية سوف يحصل في البداية على حصة أقلية في بورصة السلع المتعددة، على أن يقوم في وقت لاحق خلال قيام البورصة بزيادة رأسمالها من خلال إصدار عام أولي، ولكنها أشارت إلى أن المسؤولين في بورصة السلع المتعددة الهندية قد رفضوا التعليق على هذه الأنباء.
كما نوهت إلى أن بورصة السلع المتعددة الهندية تنتظر قيام الحكومة الهندية بإصدار القواعد الخاصة بملكية الأجانب في بورصات السلع الهندية والتي من المتوقع إصدارها في غضون فترة تتراوح بين 4 إلى 6 أشهر.
وقد ترددت مؤخراً تقارير أفادت بأن بورصة نيويورك التجارية تضع عينيها على الحصول على حصة نسبتها 9 % مقابل 49 مليون دولار.
وفي الوقت الحالي، تشمل قائمة حملة أسهم بورصة السلع المتعددة الهندية كلاً من بورصة الأسهم الوطنية وبنك «يونيون» وبنك « كانارا» وبنك الهند وبنك بارودا وبنك «HDFC» وشركة «إس بي آي» للتأمين على الحياة وشركة التقنيات المالية.
وقد تعاون مركز دبي للسلع المتعددة مع بورصة السلع المتعددة الهندية وشركة التقنيات المالية في إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع منذ ما يزيد على عام. ولقد برزت هذه التوقعات، بعدما قامت كل من مجموعة بورصة نيويورك للأسهم وشركة جنرال آتلانتيك وشركة جولدمان ساكس بشراء حصص في بورصة الأسهم الوطنية الهندية نسبتها 5 % لكل منها،وذلك بعد سماح الحكومة الهندية بأن تصل حصة الأجانب في بورصات الأسهم الهندية إلى 49 % ومع ذلك وقف الاستثمار الأجنبي المباشر في بورصات الأسهم الهندية عند مستوى 26 %. ويتوقع المتابعون للصناعة قواعد مماثلة بخصوص الاستثمار الأجنبي في بورصات السلع.
دبي ـ مجدي عبيد
