لم يدعِ العراقيون فوز مواطنتهم «شذى حسون» باللقب الأول لبرنامج ستار أكاديمي يمر عابراً، رغم صعوبات الحياة اليومية التي يعاني منها وطنٌ من شماله إلى جنوبه. فقد أسند هذه الشابة الجميلة أكثر من سبعة ملايين صوت عراقي واصلوا دعمهم طيلة ليلة الفوز، وأكثر من هذا العدد انحبست أنفاسهم قبل إعلان النتيجة، ومثل مجموع هذه الأعداد في قارات العالَم رقصوا وتظاهروا في شوارع المدن والعواصم في أروع تلاحم نفسي وعاطفي ومعنوي حقيقي سجله المواطنون العراقيون ومعهم العرب لفنانة جديدة لم يكونوا ليعرفوها من قبل !
اضطرت الملايين السبعة أن تخترق نفق الحصار اليومي الذي أوجده سياسيو العصر الجديد وحمّالو حقائب المخابرات الغربية، كما اضطرت البقية الباقية في ليلة الفوز أن تبث رسائلها وشفراتها صراحة وعلناً من أن شذى حسون هي عراقية وليس غير ذلك، فقد صدحت حناجر المحتفلين في منطقتين تمثلان ثقلين معروفين هما: المنطقة الكردية والمنطقة النجفية! فهل وصلت رسائل العراقيين في تلك الليلة إلى الحكومة والأحزاب والشخصيات الحزبية الدينية والعلمانية؟ أم أن رسائل العراقيين لا تصل عادة إلى مَن يهمهم الأمر؟
وهل فهموا أن العراقيين رغم أحزانهم المريرة وقفوا ليلاً طويلاً لا من أجل أن تفوز شذى حسون فحسب، إنما ليقولوا إن شذى هي عراقية دون أن يعرفوا إن كانت مسلمة أم مسيحية أم نصرانية أم شيعية أم سنية أم يهودية ! ودون أن يعرفوا أهي بصراوية أم مصلاوية أم تكريتية؟ وهل فهموا أن هذا التصويت (الانتخابي) البارع هو تصويت سياسي وليس فنياً! وإن الحناجر التي هدرت من أقصى الوطن إلى أقصاه هي حناجر عراقية لا تنتمي إلا للوطن وتاريخه المشترك وجغرافيته الموحدة؟
السياسيون لا يريدون أن يفهموا لغة العصر، فبعدما خربوا العراق وجدوا أنهم يقفون على الأرض اليباب، تحيط بهم مفخخات العصر الجاهلي وعبوات المقاومة ولعنة الناس في كل مكان، حتى جاء صوت شذى حسون وهي تلف جسدها بعلم العراق وتذرف دموعاً نفهمها ونتعاطاها ونحن نرى الوطن يتمزق في كل دقيقة ولحظة من عمره.
بين الخراب وبين الفن حياةٌ وموتٌ، يومٌ وغدٌ، حاضرٌ ملبدٌ بالظلام وغدٌ تاهت منه خطوات شعب وملايين طوقها العنف الأرعن والقتل الطائفي، وما بين هذه الفواصل السوداء انبثقت شذى حسون، امرأة عراقية مجهولة، صوتٌ صداح، لتشد إليها القلوب والأدمع والمواجع والآمال الصغيرة أن يأتي طائر السلام ولو ليضمد الجراح ويطير.
هذه الإيقونة العراقية الخضراء التي بثت من عينيها شموساً صغيرة في ليلة الفوز، وساندها سبعة ملايين صوت في وقت قصير بقياسات الظرف العراقي المخيف، أسقطت كل مشروع سياسي انفصالي وديني مشبوه، وكشفت شيئاً مهولاً: أن الملايين السبعة هي أصوات العراق الحقيقية التي زوروها في الانتخابات الأخيرة!؟
فلذلك حقّ لها أن تفخر من أنها أسقطت الحكومة بالضربة العراقية القاضية، وكشفت للعالم أن الفن يفضح السياسيين، وأن الفن أظهر أن العراقيين هم عراقيون ولا يحملون أية تسمية أخرى ولا ينتمون إلى جزر مجهولة!
تحية إلى شذى حسون التي كشفت عورات السياسة العراقية الجديدة وأسقطت ورقة التوت عن كثيرين منهم!
waridbader@yahoo.com