يتشارك الممثل روبرت دي نيرو مع المخرج فرانسيس فورد كوبولا في صناعة فيلم «ذي غوود شيبارد» (الراعي الصالح)، وهذا العمل خلطة عجيبة بكل ما للكلمة من معنى، وتلمس حدود «الملحمية» لكنها لا تكنى بها، ليس لقصورها عنها بقدر عدم قصدية توخيها.

حكاية الشريط الذي تعرضه الصالات المحلية بدءاً من الأسبوع المقبل، تدور حول بدايات تأسيس جهاز المخابرات المركزية الأميركية «سي أي إيه»، أثناء الحرب العالمية الثانية ونتائجها، التي أفرزت عالماً جديداً يحكمه قطبان؛ الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.. البلدان اللذان طوعا بلداناً وقارات تحت أجنحتهما في ما سمي لاحقاً بـ «الحرب الباردة».

والبرودة هذه في الصراعات تفترض الاستعانة بأجهزة الأمن والاستخبارات، وهذا ما حصل بالفعل، يبن قويين لا يتورعان عن تلقين رجالهما بكل ما يساعد على ربح معركة أو موقع أو حرب كاملة إذا أمكن، رجال يتحولون إلى شبه آلات، لا يثقون بأحد إلا بالذات الصارمة والقاسية، التي من شأنها أن تحمي الوطن، ولو كان ذلك على حساب الآخرين، كالعائلة وأي شيء يخطر ببال عاقل لم تحوله حياته إلى آلة يحكمها العقل وتخنق فؤادها.

هذا ما نشهده في هذا الشريط الطويل (167 دقيقة)، حين نرى العميل إدوارد ويلسون (الممثل مات دامون) يبحث عن جاسوس سوفييتي اخترق وكالة المخابرات الأميركية، فلا يتوانى عن اعتقال أصدقاء أو قتل زوجة ابنه الكوبية بعد العملية العسكرية الأميركية الفاشلة في خليج الخنازير على شواطئ كوبا.

أخرج الشريط روبرت دي نيرو، في ثاني إخراج له منذ العام1993 حين قدم «برونكس تال»، بينما أدار كوبولا الإنتاج، مساهماً في وضع رؤية الشريط، مع سيناريو أشبه ما يكون بوثيقة من توليف إيريك روث وفيليب كوفمان. أنجيلينا جولي بدور زوجة ويلسون للمرة الأولى تبدو مقنعة وممثلة أكثر منها «باربي».. الدمية الجميلة.

ألك بالدوين زميل ويلسون في العمل بدا منسجماً مع هذه النوعية من الأدوار التي أكثر منها في السنتين الأخيرتين، وللتذكير بهذه الأفلام مثل «المغادرون» للمخرج مارتن سكورسيزي، و«سموكن ايسيز»، و«الراعي الصالح» مع دي نيرو. وفي الحقيقة أن من تابع الأفلام الثلاثة يضيع مع ألك بالدوين في أي منها يشاهده، بسبب الأداء المكرر لهذا الممثل، وتقارب الإنتاجيات الثلاثة من بعضها البعض أيضاً.

وهو خلافاً للممثل مات دامون الذي يصغره بسنوات والذي يبرز هنا بإدارة دي نيرو كممثل كبير سوف يحصل على الأوسكار في توزيع الجوائز العام المقبل بلا ريب، لأن أداءه معد جيداً ومحكم بقوة، مما يصعب على لجنة المنح في أي احتفالية سينمائية أن تتجاوزه.

الفيلم مضجر بطوله الزمني بعض الشيء. مع أن الإطالة قامت على ضرورة سردية، توخى منها صناع الفيلم بجمعهما إدانة مرحلة سياسية بلا شك. وأكثر من ذلك الإضاءة على الأشخاص الذين يعشقون الأسرار ويصبحون جزءاً منها. والإشارة أيضاً إلى قدرة عقلية المؤسسة أن تلغي أحاسيس الأفراد بذواتهم، وتحيلهم إلى تفاصيل صغيرة ضمن مشروع اسمه الوطن،الذي يبدو وهماً كما هي الحياة بالفعل.

روبرت دي نيرو في إخراجه الثاني، أثبت أنه أكثر من ممثل، فيلمه الجديد من الصعب أن ينجح تجارياً أو على شباك التذاكر، ولكنه بالتأكيد سوف يكون من بين أفضل الأفلام هذه السنة وفي الأعوام المقبلة.

دبي ـ حسين قطايا