«زنوبيا» هي الزائر الكبير الذي سيستضيفه مسرح مدينة دبي للأستوديوهات من الثامن عشر ولغاية الثالث والعشرين من شهر أبريل المقبل، تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي في دبي، وتنظم هذه المسرحية الجديدة للفنان والشاعر اللبناني منصور الرحباني شركة «دون إيفنتس» التابعة للمجموعة الإعلامية العربية.
يشارك في «زنوبيا» حوالي الـ 700 شخص خلف الكواليس، بينهم مئة وثلاثين ممثلاً إضافة إلى مجموعة من الخيول والجمال، وهي تنتمي إلى المسرح الغنائي الذي يتفرد الرحابنة بتقديمه، أو حسبما أشار مخرج العرض مروان الرحباني هو المسرح الوحيد الذي يقدم على الساحة العربية الآن بهذا الزخم، وبهذه الإمكانيات الكبيرة. وللاقتراب أكثر، من جهود العاملين في هذا العمل الضخم، توجهنا إلى مروان الرحباني للوقوف على التحضيرات، وقد تحول مكتبه في شركة الرحباني للإنتاج في شارع الشيخ زايد في دبي، إلى مقر للتنبؤات الجوية، ففي كل دقيقة هناك تقرير جديد عن حالة الطقس.
ينظر إلي ويقول: هل تريد سبقا صحافياً.. أرد بالإيجاب فيتابع: «بعد العرض سأقدم نشرة أخبار الطقس على محطة فضائية شهيرة».. نضحك جميعنا، وندرك مدى صعوبة إقامة عرض في الهواء الطلق، وبهذا الكم الكبير من الممثلين وقطع الديكور الضخمة.على أبواب «زنوبيا» يتهيأ الجميع لمواجهة الجمهور، الذي اعتاد على أعمال ملحمية تقدمها لهم الأسرة الرحبانية..ومع أحد ألمع أسماء الجيل الثاني في هذه الأسرة نتوقف في الحوار التالي:
* «زنوبيا» هو المشروع الفني الجديد لمروان الرحباني وهو يحمل اسم دبي منتجاً لهذا العمل الضخم، لماذا دبي، ولماذا «زنوبيا»؟
ـ هذه ليست المرة الأولى التي أعمل بها في دبي، وأقدم فيها عملاً مدعوماً من قبل حكومة دبي، فما زال صدى نجاح التجربة الأولى في أذهان الجميع حينما قدمنا مسرحية «المتنبي» قبل سنوات. وعلى العموم ما تجده في دبي، وما تقدمه لنا هذه المدينة العملاقة من تسهيلات، يجعلنا نعيد الكرة مرة أخرى، ودائماً نحن على استعداد لتقديم أعمال كبيرة تنتمي إلى دبي التي لا يرغب القائمون عليها أن تمر نهضتها الاقتصادية والسياحية، التي أصبحت مضرب مثل في العالم، من دون نهضة ثقافية موازية.
أما مشروع ززنوبيا» فقد أردناه تحية للمرأة العربية التي قالت لا في وجه الرومان حينما جاؤوها مدججين بكل أنواع السلاح، وقد استطاعت بناء امبراطورية كبيرة وحضارة، جعلت التاريخ يتوقف عند دلاله قوية على وعي الأنثى في المنطقة العربية وجدية قراراتها وشجاعتها في التصدي لأي غزو، وهذه الأمبراطورية التي امتدت من الإسكندرية ولغاية جبال أرارات وأرمينيا، كانت شاهداً على دولة العدل والتطور والحضارة بمختلف جوانبها.
* هل تعتقدون أنكم أسستم بعروضكم، لبصمة ثقافية فنية عربياً؟
ـ الحمد لله.. نحن استطعنا أن نحقق حضوراً مهماً للمسرح الغنائي عربياً، وهو المسرح الذي تميزنا به عن سوانا ونجحنا في تقديمه، ولا أعتقد أن هناك من منافس لشكل المسرح الذي نحرص على التواصل به مع كل الشرائح الاجتماعية والعمرية، كما نحرص على تقديم قراءات مستقبلية وحضارية للمواضيع التي تطرقنا وسنتطرق إليها في أعمالنا المقبلة، أدعي ان ما نقدمه قد أسس لذاكرة فنية وثقافية على درجة عالية من الأهمية والأجيال أدركت وستدرك ذلك.
* بماذا يختلف المسرح الرحباني الآن عن المسرح الرحباني أيام زمان؟
ـ هو استمرار ومكمل، ربما اختلفت المعالجة وطريقة التقديم، ولكن المسرح الغنائي ازدهر على أيدي الرحابنة، وبطبيعة الحال هناك مواضيع متجددة يكتبها الكاتب المبدع منصور الرحباني، نحرص على تقديمها برؤية فنية تنسجم وتتلاءم مع اسمه الكبير وحجم عطائه عربياً.
* ولكن ثمة من يميل إلى مسرح الرحابنة الذي كانت تغني فيه فيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي وغيرهم من الأسماء الكبيرة..ثمة إحساس بأن بساطة تلك الأيام كان يبرع المسرح الرحباني في تقديمها خلافاً لما يحدث الآن؟
ـ هذا رأي يجب أن يحترم، وأنا لا أنفي حضور مسرح الرحابنة ونجاحه بالتواصل مع كل أنحاء العالم العربي، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الزمن يمشي، وهناك مواضيع متجددة يجب ان تقدم بناء على تطورات المرحلة سياسياً واجتماعياً وإنسانياً، والتي تختلف عن المرحلة الماضية ونحن في النهاية استمرار لما قدم في السابق، ولما ستقدمه الأجيال التي ستأتي من بعدنا.
* من تقصد بالأجيال.. أجيال عائلتكم مثلاً؟
ـ يمكن أن نقول هذا، ولكن لا يمكن أسر الفن بعائلة واحدة فقط، وبالتالي الأجيال مفردة مفتوحة.
* كم عدد الأجيال في محيط العائلة من العاملين بالحقل الفني والمسرح الغنائي؟
ـ ربما صاروا ثلاثة أجيال.
* أنت محسوب على أي فئة فيهم؟
ـ (ضاحكاً)..على الجيل الخامس.
* هناك من يقول أنك أبرع من نشأ في الجيل الثاني للرحابنة؟
ـ «الله يكتر خيرو».
* وهناك من يقول إمبراطورية الرحابنة، ما رأيك أنت بهذا التوصيف هل يليق بعائلتكم؟
ـ نحن لسنا إمبراطورية.. أميل لأن نكون كقبيلة، لأننا في مسرحنا نحكي عن الإمبراطوريات المهزومة والمكسور، فكيف نسمي أنفسنا إمبراطورية؟!
* هل تخاف من الهزيمة؟
ـ لا أحبها.. كل واحد معرض للهزيمة والخسارة طالما هو يعمل، ولكننا مجتهدون في العائلة، ونحرص على أن نحافظ على الإرث الذي خلفه لنا الكبار في الماضي القريب.
* ضمن محيط العائلة، هل تنتقدون بعضكم البعض؟
ـ بمنتهى القسوة، وإذا قدم أحدنا أجمل ما لديه يمكن أن يسمع من الآخر كلمة يعطيك العافية.
* الأجيال التي قدمتها قبيلة الرحباني افتراضياً، هل تعني ان الفن يورث؟
ـ لا.. طبعاً، لا وراثة في الفن، ونحن في النهاية تعبنا ودرسنا وعشنا في جو العائلة التي تعتبر مدرسة بحضور منصور وعاصي والأسماء التي جاءت لاحقاً.. وبطبيعة الحال يجوز إلصاق هذا الاتهام وهذا الكلام لو كنا نقدم أعمالا دون المستوى المطلوب، ولا تلقى قبولاً ونجاحاً لدى المتلقي، ولكن تحقيقنا النجاح والتفوق يؤكد ان لا وراثة في الفن، أو بالأحرى إن تعمليات توريث الفن لا تنجح.
* اين هي فيروز.. ولماذا تغيب عن أعمالك؟
ـ فيروز هرم كبير في عالم الفن العربي، وهي مكسب لأي عمل أن تكون فيه بصوتها وشخصها، ولكن قد لا تتوفر الظروف لتكون معنا.
* اخلقوا أنتم هذه الظروف.. هذه فيروز؟
ـ فعلاً هي فيروز.. ولكن لا تنسى ظروف الأيام وفعل الزمن، ونحن مسرحنا غنائي ويحتاج إلى جهد وتعب..إنها تبارك أي عمل نعمل به، ونحن نفخر بها دائماً.
* هل هناك تواصل بينكم وبينها؟
ـ طبعاً.. نحن عائلة واحدة.
* ومع ابنها زياد؟
ـ ومع زياد أيضاً.. ليس ثمة ما يمنع ان نكون جميعاً مع بعضنا البعض.
* يحكي عن خلافات رحبانية رحبانية.. ما ردك؟
ـ كلام في كلام.. ليس كل ما يقال صحيح.
* هل تعول دائماً على المتلقي؟
ـ طبعاً.
* ألم يحدث أن خيب هذا المتلقي أملك في عرض من العروض التي قدمتها؟
ـ لو خيب أملي لما قدمت أعمالاً أخرى، ولما استمر نجاحنا في المنطقة العربية.
* ما الجدوى من تقديم رسائل تاريخية بإسقاطات معاصرة عبر الفن للمشاهد العربي؟
ـ ماذا تقصد؟
* أقصد أن من يجب أن تخاطبوه في رسائلكم المسرحية هو الجمهور الغربي في أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول..؟
ـ (مقاطعاً) أتفق معك ولكن مشروع كهذا يحتاج إلى جهود مؤسسات وحكومات لأنه مكلف، أنا على استعداد لتقديم «زنوبيا» و«المتنبي» و«حكم الرعيان» وغيرها من الأعمال التي قدمناها في أقصى بقعة من بقاع الأرض، لأنها تحكي عن حضارة الإنسان العربي، وتنفي عنه وعن دينه تهم التخلف والإرهاب، ولكن لا أستطيع ان أقوم بهذاالحمل الثقيل وحدي، بل أحتاج إلى دعم كبير لتحقيق هذا المشروع..حسناً.. أنا عبر صحيفة «البيان» أعلن رغبتي بتقديم عروضنا المسرحية الغنائية في أي مكان في العالم.
.* تتهمون بأن عروضكم تميل للجانب التجاري، أي أنكم تسعون لتحقيق أرباح أهم بكثير من المادة الفنية والفكرية، التي تقدمونها والتي قد تتكئ على أسماء كبيرة كي تحققوا مزيداً من الإيرادات؟
ـ الحديث عن أن عروضنا تميل إلى الجانب التجاري،كلام كبير يجوز فيه الخطأ والصواب. بداية نحن مؤسسة تقدم أعمالاً كبيرة، وبالتالي سأكذب عليك وعلى نفسي إذا لم يكن همي وتفكيري أن أحقق الربح لأفكر مستقبلاً في عمل مقبل، أي أن أحقق جدوى مادية هو جزء من استمراريتي، لأننا في النهاية مؤسسة كبيرة وفيها الكثير من الموظفين.
وهذا يحتاج إلى أسس واستمرارية.. أما أن يقال إننا نؤثر التجارة على الفن فهذا كلام غير صحيح، لأننا نسعى لتحقيق الإطار الفني للمادة الفكرية التي لا نقدمها بطريقة عادية، دائماً هناك متعة بصرية ومادة موسيقية وحوارات استثنائية في مسرحنا باعتراف معظم النقاد والفنانين العرب، ونحن نحرص على تقديم الرؤيا المستقبلية في الأعمال التي نقدمها في أعمالنا.
* «الفن ابن الوعي» هي جملة توقفت عندها مطولاً في أحد الحوارات التي أجراها منصور الرحباني.. إلى أي حد أنتم ملتزمون في مؤسستكم بهذه الجملة التي تحولت إلى شعار؟
ـ بالفعل تحولت الى شعار، وإذا أتيح لك أن تدخل إلى كواليسنا أكثر، وإلى المؤسسة الداخلية فإنك ستجد هذه الجملة موجودة قولاً وفعلاً..وستجد أننا ملتزمون بها أخلاقياً ومهنياً بشكل رفيع، وأعتقد أننا في الأعمال التي قدمناها، وصلنا إلى صيغة مثالية في علاقة المادة الفنية بالوعي والنضج، والدليل ان الجميع يقبلون مشاهدة عروضنا ومتابعة أخبارنا.
*هل يخشى منصور الرحباني من الموت؟
ـ سؤال مهم..أتمنى أن تسأله عندما يأتي إلى دبي.
* ما ردك أنت؟
ـ قرأت له قصيدة ذات مرة عن هذا الأمر، ألخصها لك بأنه يشكر الله على كل يوم لأنه مد بعمره كي يعيش هذا اليوم.
* كيف يمضي وقته؟
ـ بين الكتب.. وأتمنى أن أهديه كتاباً لم يقرأه.
* ما العمل الذي تحضر له بعد «زنوبيا»؟
ـ حتى ننتهي من «زنوبيا»، سنفكر في العمل المقبل. وفي أية حال توجد على طاولة منصور الرحباني ثلاثة نصوص كبيرة ننتظر أن نناقشها قريباً.
دبي ـ جمال آدم


