من أبرز الملاحظات التي تتجسد أمامنا لدى مراجعة جهود التنمية الخليجية خلال العقود الثلاثة الماضية هو أن دولنا الخليجية ولحد الآن لم تؤسس لفلسفتها واستراتيجياتها الخاصة تجاه التنمية بمفهومها ليس الحديث الذي تبنته كافة المنظمات والمفكرين في دول المنطقة بل وحتى بمفهومه التقليدي الذي يعني فقط بمعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط دخل الفرد في المجتمع.

إن التنمية بمضامينها الحديثة هي مفهوم مركب. فالتنمية عملية، كما إنها آلية. هذا إلى جانب كونها أداة وسيلة لتحقيق أهداف مرحلية ضمن إطار غايات إنسانية وحضارية ذات أبعاد مجتمعية. أما مؤشراتها المتداخلة والمتكاملة فهي أربعة. أولا وجود نمو اقتصادي بمعنى تزايد مطرد في إنتاجية الفرد وإنتاج المجتمع.

وثانيا وجود تحولات هيكلية تطال أوجه التخلف كافة - السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية - بهدف تنمية القدرات وإطلاق الطاقات الخيرة على المستويين الفردي والجماعي. وثالثا تحسن مطرد ومستدام لنوعية الحياة المعنوية والمادية لأفراد المجتمع وجماعاته. ورابعا وأخيرا تكريس نسق اجتماعي يهدف إلى توسيع الخيارات المتاحة للمواطنين بأجيالهم المتعاقبة، وذلك تعبيراً عن تبني استراتيجية مجتمعية للتنمية المستدامة.

وإذا أجرينا مقارنة موضوعية بين مفهوم التنمية الذي سبقت الإشارة اليه، وبين التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها دول المنطقة عموماً في عصر النفط خلال العقود الثلاث الماضية، يتبين لنا بالفعل أن هناك الكثير من الانجازات الاقتصادية التي تحققت لكن تلك الإنجازات لا يمكن ان نقول إنها بنيت على أساس فلسفة أو استراتيجية تنموية واضحة وبعيدة المدى بحيث نستطيع تحديد بدايات أهدافها ورؤاها المستقبلية.

ويقول الدكتور علي الكواري حول هذا الموضوع إن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها دول المنطقة لم تهتد بنسق اجتماعي يعزز الهوية ويحافظ على المصالح العليا للمجتمع باعتباره مؤسسة دائمة تتعاقب عليها الأجيال، وانما كانت تغيرات منفلتة من عقالها، لم تضبطها استراتيجية تنموية تلتزم باجتماعية الهدف وعقلية المنهج.

لذلك أصبح من الصعب على حكومات المنطقة ان تواجه المأزق الذي قادت اليه تلك التغيرات في حقب اليسر، وذلك عندما بدأت حقبة العسر النسبي الراهنة في منتصف الثمانينات والتسعينات. وعلاوة على تراكم الديون المالية نتيجة الاضطرار للاستدانة من الداخل والخارج، برزت أيضا الديون الاجتماعية نتيجة الاعتماد الكبير على العمالة الأجنبية كذلك زيادة عدد السكان الأجانب في بعض الدول الخليجية علاوة على بروز الديون الاقتصادية بسبب الخلل الإنتاجي، والديون السياسية الطويلة الأجل نتيجة الانكشاف على الخارج.

أما لدى الحديث عن التنمية بمفهومها التقليدي وهو وجود نمو مطرد في الناتج القومي، فالملاحظة التي تبرز أمامنا أن دول المنطقة عموماً لم يتحقق فيها تزايد مطرد في متوسط الدخل الحقيقي للفرد، لأية فترة طويلة من الزمن، وإنما نجد ان متوسط دخل الفرد - الحقيقي والنقدي - يتأرجح بين ارتفاع قياسي وهبوط، وذلك تعبيرا عن اتجاهات الطلب العالمي على النفط الخام، وانعكاسا لمستويات أسعاره في السوق العالمية التي تحكمها عوامل خارجية، كما تخضع لتأثيرات التقدم التقني.

وهذا التأرجح في متوسط دخل الفرد يؤكد حقيقة ليست في حاجة الى كثير من التأكيد لكل ذي بصيرة ألا وهي ان مصدر الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي متوسط دخل الفرد، ليست له علاقة بإنتاجية الفرد او العامل كما يتطلب مفهوم النمو الاقتصادي، ولا يعكس تأثير تغييرات بنائية وتحولات هيكلية قادرة على استدامة مستويات الدخل المتحقق .

كما يتطلب مفهوم التنمية الاقتصادية، وانما اعتمدت مستويات الناتج المحلي الإجمالي ومتوسطات دخل الفرد في المنطقة دائما على استنضاب ثروة طبيعية غير متجددة (النفط) ، كما اعتمدت على مستويات أسعار صادرات النفط الخام الى السوق العالمية.

وبين تقييم جاسم السعدون لتجارب التنمية في دول المنطقة هبوط متوسط دخل الفرد بدلا من زيادته - كما يتطلب مؤشر النمو الاقتصادي بمفهومه التقليدي - حيث تشير الأرقام المجمعة لدول مجلس التعاون «إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية كان حوالي 5,10 الاف دولار عام 1982 وأصبح 1,8 آلاف دولار عام 1992 ثم الى عام 1998».

وتوضح الأرقام المجمعة ان الهبوط لم يكن في متوسط دخل الفرد فحسب، وإنما في قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، الذي قدر انخفاضه في عام 1998 بنحو 15 بالمئة عن مستواه في عام 1982، وجدير بالتأكيد أن المشكلة هنا ليست في انخفاض متوسط دخل الفرد، وانما المشكلة في تأرجحه انعكاسا لأسعار النفط ومستوى الطلب عليه.

إن الأداء المتأرجح للاقتصاد الوطني وعدم قدرته على استدامة مستويات الدخل لفترة طويلة من الزمن، ينفي عن تلك التغيرات الاقتصادية والاجتماعية صفة النمو الاقتصادي بالمعنى العلمي المتعارف عليه في علم الاقتصاد. كما ان الطبيعة الريعية للاقتصاد، واستمرار اعتماد النشاطات الاقتصادية الاجتماعية في كل منها، على الإنفاق العام الذي يتم تمويل أكثر من 80 بالمئة منه من عائدات النفط السنوية، أو من فوائض عائدات النفط في سنوات اليسر، أو من الاقتراض بضمانات عائدات النفط في المستقبل يشير الى الإخفاق في بناء قاعدة إنتاجية بديلة من النفط، يمكنها تدريجيا توفير مصادر دخل وفرص عمل بديلة مما يوفره ريع صادرات النفط.

لذلك وجدنا ان دول المنطقة عندما تراجع الطلب العالمي على النفط، وانهارت أسعاره في منتصف الثمانينات والتسعينات- لم تجد لديها غير النفط نفسه ترجع اليه، من اجل المحافظة على الإنفاق العام الذي يتم الاعتماد عليه بشكل شبه مطلق في تحريك النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، والمحافظة على مستويات مقبولة من المعيشة وفرص العمل.

هنا نتوقف عند هذا الحد لنطالب مجددا دول مجلس التعاون الخليجي بالانعطاف برؤى وجهود التنمية الى مسار آمن وفق استراتيجية تلتزم بعقلانية المنهج وترتكز على اجتماعية الهدف والمصالح العليا للمجتمع، باعتباره مؤسسة مستمرة عبر الزمن وتعاقب الأجيال.

كاتب بحريني