نظراً للإدراك العميق للصلة بين الاقتصاد والسياسة في الربط بين الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمكان والإنسان وبين امتلاك الإرادة والمكانة السياسية للكتلة العربية بين التكتلات الدولية كانت دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في حديث صحافي بأن تعقد قمة اقتصادية عربية سنوية إلى جانب القمة السياسية العربية بحيث يلتقي القادة العرب مرتين في العام الواحد، مرة لبحث القضايا السياسية والاجتماعية وأخرى للقضايا السياسية.
ومن الثابت أن قوة التكامل الاقتصادي العربي هي أساس قوة التكامل السياسي العربي، والعكس صحيح أيضا باعتبار أن الواقع الاقتصادي القوي لأية دولة أو لمجموعة إقليمية هو الذي يصنع قدرتها على اتخاذ المواقف السياسية وفقا لإرادتها الحرة، وهو الذي يمكنها في الوقت نفسه من مقاومة الضغوط الدولية اقتصادية كانت أو سياسية.
وإذا كان صحيحا أنه لا يمكن الفصل بين الاقتصادي والسياسي لتقوية الموقف الخارجي لدول هذه المجموعة الإقليمية في الساحة العالمية، فإن الصحيح أيضا أن التلازم يجب أن يكون وثيقا بين الاقتصادي والاجتماعي لتمتين الواقع الداخلي لشعوب هذه المجموعة في الساحة العربية باعتبار أن القوة السياسية الخارجية هي انعكاس للقوة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.
الاقتصاد إذن هو محور صناعة القوة، وهو الرابط بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي داخل كل دولة في الوطن العربي، ولا يمكن أن تكون هناك قوة سياسية مؤثرة للمجموعة الإقليمية العربية إلا إذا تحققت القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية للشعب العربي في داخل كل دولة عضو في هذه المجموعة، باعتبار أن القوة الجماعية هي حاصل جمع قوى كل الأعضاء ولم تغب هذه الحقيقة عن جامعة الدول العربية واتفاقياتها ومجالسها المتخصصة، فكان التلازم وثيقا بين قوة الدفاع العسكري وقوة التكامل الاقتصادي في اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فكان عنوان الاتفاقية هو اتفاقية الدفاع العسكري والتكامل الاقتصادي العربي.
كما لم يغب هذا التلازم بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي عند تشكيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي يشكل عقل الأمانة الاقتصادية للجامعة العربية ومصنع قراراتها، والذي يرجع إليه الفضل فيما تحقق أو يتحقق من اتفاقيات وأطر وآليات وخطوات مهما بدت أقل من طموح الشعب العربي أو مما هو مطلوب لتحقيق المكانة الاقتصادية والسياسية التي تستحقها الأمة العربية بين الأمم.
وبينما تتحرك التجمعات الإقليمية الدولية في أوروبا وإفريقيا وآسيا من حولنا بخطوات أوسع وأسرع لتحقيق التكامل فيما بينها فإن مدى تحقيق طموحات الشعب العربي لتحقيق هذا التكامل المطلوب الذي ينعكس على المواطنين العرب في حياتهم مرهون بمدى قوة الإرادة السياسية للقمة العربية.
وليس بالأمانة العامة للجامعة أو لمجلسها الاقتصادي والاجتماعي فلدينا الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية في إطار الجامعة العربية فيما يتصل بالتجارة البينية والاستثمار المشترك التي إذا ما توفرت لتطبيقها الإرادة الحقيقية والجدية الكافية لتفعيل آلياتها وإزالة عوائقها لأمكن تحركها على أرض الواقع بالسرعة المتوقعة لإنتاج ثمارها.
من هنا وبعد أن عنيت قمة الرياض العربية نهاية الأسبوع الماضي بالملف الاقتصادي والاجتماعي وما صدر عنها من قرارات اقتصادية أعدها وزراء الصناعة والتجارة العرب في إطار المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دورته الأخيرة بالقاهرة تبقى التوقعات متفائلة بأن تترجم النصوص بالجدية اللازمة وبالسرعة اللازمة في اتجاه تحقيق حلول مباشرة للمشاكل الشعبية بإيجاد واقع اقتصادي منتج واجتماعي عادل، يشعر بنتيجته المواطن العربي في كل بلد عربي سواء الفقير بلا دخل أو الخريج بلا عمل أو العائل بلا سكن أو المريض بلا دواء أو العامل بلا أمل.
ويبقى المأمول أن يجتمع المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي قريبا ليس على المستوى الوزاري فقط بل على مستوى القمة..قمة اقتصادية واجتماعية تصدر قرارات على قدر الطموح بمشروعات كبرى تحقق الاستجابات المطلوبة للتحديات المطروحة خصوصا ونحن نملك الطاقات البشرية والخبرات العلمية والإمكانات الاقتصادية والثروات الطبيعية.
فقط يلزمنا الإرادة السياسية الكبرى والمشروعات التنموية العظمى لفتح الطريق لحاضر واعد بمستقبل آمن للشعب العربي الذي يستحق أكثر بكثير مما هو فيه إلى ما يتطلع إليه ولمكانة لائقة بأمة عربية كانت مهد الحضارات الإنسانية الكبرى التي أثبتت قدرتنا على البنيان ومهبط الرسالات السماوية العظمى التي ثبتت لنا كل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للإنسان.