القوة.. الشجاعة.. الصلابة.. المجد.. العند.. والقسوة، كلها عناوين وأسماء «مستحيلة»، تتساوى بالمحصلة مع اسم «اسبارطة» إحدى ممالك الإغريق القديمة، وهي لا تعرف الاستسلام لعدو أو غاز. عشرات الآلف من جنود الأعداء يتهاوون تحت ضربات رماح 300 جندي إسبارطي، في معركة أسطورية، حولها مخرج فيلم «300» زاك سنادير، إلى ما يتماهى مع العاب الفيديو، ومع شرائط الإعلانات المبهرة بصرياً في أحسن الأحوال، ونجح بذلك بضرب السينما ومفهومها لمصلحة اللامفهوم. فالتقنية العالية باستخدام «الغرافيك» والصور البطيئة لا تصنع سينما أو فيلماً.
خاصة إذا كانت غير موظفة في سياق أو معنى، والبهرجة التشكيلية ولو كانت على قدر من الجمال، تفقد بريقها إذا كانت برانية وغير معبرة عن مضمون، هذا إذا تناسينا ما يخفي الفيلم من إشارات سياسية لها علاقة بارتباطات شركات إنتاجية هوليودية بسياسات تخوضها الإدارة السياسية في البيت الأبيض تحت عناوين «العولمة» و «صراع الحضارات» و«قوى الشر»، وغيرها من اصطلاحات وتسميات، تبرر عدواناً هنا وتحضر لآخر هناك.
الفيلم من إنتاج شركة « وورنر بروذرز». الشركة الضخمة وذات الإنتاجات المتنوعة والمتفاوتة، وهي كالكثير من شركات هوليوود تبحث عن الأرباح. وهذا حق بالمفهوم الليبرالي وفي غيره، لكن السينما يجب أن لا تكون أداة بيد السياسي، كائناً من كان، وما يمثل، إن كان ليبرالياً أو ديكتاتوراً لا فرق، كون الإبداع ليس موظفاً إيديولوجياً.
وليس من وظيفته تحضير الرأي العام في أميركا وخارجها لتقبل حرب مقبلة، تهيئ وتعد صورة « الطريدة» الجديدة على أنها ذات أنياب مفترسة، ولو استدعى ذلك تزوير الحقائق، بتحويل جنود مملكة فارس القديمة إلى جنود من إفريقيا، فهم في هذا الفيلم رجال سود، على ما نعرف عنهم في ماضيهم او حاضرهم، إضافة إلى أنهم متوحشون، يستخدمون السحر والشعوذة والشياطين وكل ما هو سييء ليربحوا حرباً.
هذا في التاريخ الذي يريده المخرج وممول فيلمه أن يسقطاه على الواقع، أي ما يسمى اليوم في السياسة بالملف النووي الإيراني. المخرج والمنتج، معا ينكران هذه القصدية، لكنهما معا يكذبان أيضاً، يحاولان الاستخفاف بعقول المشاهد إن كان هاوياً أو محترفاً.
في جيش الفرس الذين يسمون تارة باسمهم وتارة بالبرابرة الجميع خاضعون لإرادة القائد الملك أحشورس، والخائنان الوحيدان إسبرطيان في الحكاية. صورة تناقض صورة، لكنها دعوة أيضاً إلى التفتيش في «الغرب» عن متعاطف مع هؤلاء، أي يجب قتل الخائن كما تفعل ملكة إسبارطة، تطعنه ثم يتضرج بدماء وقطع نقدية فارسية، مع أنها في الأصل تجاوبت معه عندما راودها عن نفسها. وخانت الزوج الملك في سبيل إنقاذ المملكة وإسبارطة، لأن «الكونغرس» الإسبارطي لا يدعم الملك في حربه.
والصدفة والبراءة وحدهما هنا أيضاً يقعان على صورة مشابهة. الكونغرس الأميركي الرافض لمغامرات الإدارة «الحربية» في كل اتجاهات «العالم القديم» عله يخضع لصوت خائن لا لصوت العقل.. من يدري؟ «300» فيلم تجييش سياسي. لمخرج استفاد من التقنيات الحديثة ليصنع إبهاراً بصرياً، راوح عند هذه الحدود، مبتعدا عن غايات الفن النبيل وعن السينما بالمطلق.
دبي ـ حسين قطايا
