يولد البشر عادة من زواج القمر ومدّ البحر في ليلة قد تكون باردة تسكن فيها أنفاس الحياة؛ هكذا يولد الكثيرون في أبراج الحظ وعلى الشجرة المباركة؛ إلا شاكيرا فقد كانت استثناء من هذه القاعدة الجميلة، لأنها وُلدت في أرجوحة هزازة على سفحٍ من رذاذ ومن زواج أرزتين، واحدة لبنانية والأخرى كولومبية، لحظتها كان مهد الأرجوحة يتراقص على البحر وكانت الأرزة الجديدة مكسوة بثيابٍ إمبراطورية على الأرجح!

قبل يومين حطّت حمامة شاكيرا في دبي مثقلة بالأوسمة والنياشين والجوائز والشهادات الفخرية، لعل أثقلها النص الماركيزي الذي أخرجها من صالات الغناء المعلّبة الى الشوارع الحافية ليتلقفها صعاليك المقاهي والحانات ويتمايلوا طرباً لرقصة الطائر الكولومبي السعيد. ربما كانت شاكيرا تعرف وزن هذا الرجل النوبلي الذي استهوته شهرتها، لكنها حتماً لن تعرف الكثيرين ممّن استغرقت الكتابة أوهامهم وأعمارهم وأوهامهم.

قلْ: شاكيرا أغنية في جسد.. وقلْ أيضاً: شاكيرا جسدٌ في أغنية! فالفرق هنا بلاغي والنتيجة أن البحر واحد في مدّهِ وجزرهِ .هكذا يجب أن تكون شاكيرا من وجهة نظر عابر سبيل: بحرٌ يَغرق في بحرٍ، وبحرٌ يُغْرِقُ بحراً في متاهة جدلية راقصة يفترعها شيطان الألوان والأضواء والحنجرة الصداحة في الليالي الخضراء التي تتجلى فيها هذه الطفلة «الزحلاوية» البارعة.

أفضل ما في شاكيرا أغنية جسدها! هذا ليس نقداً فنياً، لكنه رؤية خارجية لغناء راقص مترجرج كالماء في صحن عرّافة شرقية! وأفضل ما تجيده شاكيرا هو أن تغني بجسدها أغاني غرناطة الجديدة، فخبرتها الجسدية لا تضاهيها خبرة، فالجسد لغة العالم كالموسيقى، وهي الفنانة الوحيدة القادرة على استنطاق جسدها بخبرة طفولية وراثية درّبتها أصابع الكلمات وأوتار العازفين.

عندما تغني هذه الايقونة المضرجة بدماء عربية لاتينية، فإنها تغني بحاسة لن تعرفها فنانات عصرها وهي حاسة الجسد وثورة مساماته الكلية، فشاكيرا خبيرة في تحريك النقاط «الميتة» فيه، تلك المركونة في زاوية بعيدة عن حواس الكلمات، غير الفاعلة في هدير الموسيقى، غير المرئية في تجليات الانفصال عن الذات في لحظة الغناء، فتملؤها بديناميكية غريبة كلها حياة ورقص وفوران وأنوثة مثيرة.

أفضل مَن تفهم لغة الجسد وصراخ الجسد وعشق الجسد وشيطان الجسد. فرسٌ صاهلة في حلبة الرقص والغناء، وطائرٌ عسلي يفرّ من أرجوحة النار إلى أرجوحة الأسلاف. الكثيرون لا يعرفون كلمات أغنياتها، لكن الكثيرين، تمرسوا على انتفاضة جسدها وشفراته العسيرة وانشدادها إلى كل بقعة فيه، فهي العارفة بأسرار لحظتها الراقصة وكيف تحيل الكلمات إلى جسد والأنغام إلى برق عاصف.عارفة بأسرار الجسد وثورته ومراكز الاستقطاب فيه، خبيرة في إبراز أفاعي الغناء وشياطين الرقص!

هزار عربي في حنجرة كولومبية وأجنحة شرقية . نص راقص على مدار الغناء، قوة تعبيرية تقترب في كثير من الأوقات من تجليات صوفية تحاكي الجنون، بل قل المجون ولا تخش شيئاً، فهذه الطفلة المتمردة تسمو وتتلاشى وتعوم في أبخرة الموسيقى لتصبح ريشة في مهب الرقص! أرادت شاكيرا أن تكون فنانة، لكنها أصبحت شاكيرا! وهذه بلاغة نصها الراقص.

waridbader@yahoo.com