سادت حالة من الارتباك والقلق سوق حديد التسليح والإسمنت عقب قرار الحكومة المصرية بفرض رسم تصدير وتنظيم حركة البيع والشراء، حتى وصل الوضع إلى حالة من شبه توقف لعمليات البيع والشراء، خاصة ان الأسعار لم تستجب كثيرا لقرارات الحكومة وظلت شبه مرتفعة حيث يعرض الحديد بسعر 3700 جنيه للطن والإسمنت بسعر 350 جنيهاً للطن ويصل إلى 380 جنيهاً في محافظات الجنوب.
وقال مراقبون للسوق ان المنتجين يكادوا يكونوا قد توقفوا عن الإنتاج او على الأقل عن إخراج المنتج سواء من الحديد او الإسمنت الى السوق، رغم نفي عدد من الشركات المنتجة لذلك، فيما طالب البعض بإيقاف التصدير لمدة 6 شهور حتى يستقر السوق.
ما يجري في سوق الإسمنت والحديد في غليان لم يكن بعيدا عن القيادة السياسية للدولة، حيث عقد الرئيس المصري محمد حسني مبارك اجتماعا وزاريا مساء أول من أمس حضره الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء والمشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع والإنتاج الحربي والدكتور محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري والمهندس أحمد المغربي وزير الإسكان والمرافق والمهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة والدكتور علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي والمهندس أمين أباظة وزير الزراعة والدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية.
واستفسر الرئيس مبارك من وزير التجارة والصناعة عن القرار الذي أصدره بفرض رسم تصدير قدره 65 جنيها علي صادرات الإسمنت و160 جنيها على الصادرات من الحديد، وأكد وزير الصناعة والتجارة: إن هذا القرار يستهدف تشجيع المنتجين على الالتفات إلى احتياجات السوق المحلية بما يؤدي إلى وقف التزايد المتصاعد في أسعار الإسمنت والحديد في السوق المحلية، متوقعا أن تستقر هذه الأسعار نتيجة هذا القرار قريبا.
ينفي المهندس خالد البوريني رئيس شركة بورسعيد الوطنية للصلب الاتهام الموجه لهم بالتوقف عن الإنتاج، وقال إن أسعار البيع بالسوق من اختصاص الجهات الرقابية، واعترف بأن أسعار البيع مبالغ فيها جداً.
وأضاف أنه يتجه إلى زيادة سعر التكلفة العادلة لتصل إلى 3500 جنيه وأنه من الخطأ فرض قرارات فوقية تتسبب في توقف أسواق التصدير وتحقيق خسائر كبيرة للمصانع.
وأكد أن المصانع تقوم بتحرير فواتير شراء للتجار ويمكن للجهات الرقابية تتبع هذه الفواتير وتحديد الجهات التي تبالغ في أسعار البيع. وأوضح أن الاقتصاد الحر لا يعرف القرارات غير المدروسة وكان يجب احترام المنتجين واستطلاع رأيهم قبل تطبيق مثل هذه القرارات.
وأشار إلى أن أسعار البيع في مصر مازالت أقل من أسعار الدول المجاورة وأن ضرب أسواق التصدير لا يخدم اقتصاد مصر، ودعا إلى مراجعة التكلفة المرشدة لمصانع حديد التسليح وضبط التجار الجشعين لإحكام السوق.
وأكد تجار التجزئة الذين رفضوا ذكر أسمائهم أن عمليات البيع والشراء شبه متوقفة ومازال التجار الكبار يمتنعون عن البيع أو يبيعون بأسعار مرتفعة، موضحا ان سعر التجزئة لحديد التسليح سجل في الأيام الماضية 3700 جنيه للطن وهو في حدود الأسعار السابقة قبل القرار.
ويرى جمال الجارحي رئيس شركة مصر الوطنية للصلب ورئيس شركة السويس للصلب أنه يجب أن يكون البديل لقرار رسم الصادر هو تحديد حصص تصديرية للمصانع المنتجة في مصر وفقاً لإنتاجها وارتباطها بحجم السوق المحلي ولتكن حصة تتراوح من 25% إلى 30% من حجم إنتاج كل مصنع للتصدير فقط لمواجهة ارتفاع الأسعار العالمية لخام البليت الذي ارتفع خلال الشهر الأخير من 510 دولارات إلى 560 دولاراً.
وأضاف الجارحي أنه للخروج من هذه الدائرة لابد من إعادة النظر في هذا الموضوع من كل جوانبه بحيث تقوم وزارة التجارة بتحديد ومعرفة الأسعار اليومية للبليت وتحديد متوسط تكلفة إنتاج طن الحديد للمصانع وعلى أساسها يوضع هامش ربح للبيع في السوق المحلي وأن الملتزم يجب ألا يعاقب بقرارات تشمل المخالفين ويحق لوزارة التجارة التدخل بكل الصور للمخالف من خلال لجنة تحددها الوزارة مع الغرف التجارية وخبراء الإنتاج.
وأضاف جمال الجارحي أن القرار الأخير أثر سلباً علي الصادرات المصرية لحديد التسليح في الأسواق الخارجية لأن مثل هذا الرسم سيؤدي إلى إضعاف الصادرات المصرية في الأسواق الخارجية، وأن هذه القرار سيترتب عليه هروب المستوردين للحديد المصري إلى أسواق بديلة منافسة.
ويقول عز أبو عوض رئيس رابطة تجار الإسمنت إن أسعار الأسمنت لم تتغير وتتراوح حاليا بين 345 و355 جنيهاً للطن في القاهرة الكبرى و385 جنيهاً في محافظات سوهاج وقنا وأسوان. وأضاف أن المصانع لم تسجل إقبالاً على الشراء من الوكلاء مثلما كان يحدث قبل الماضي والكل في انتظار استقرار الأسعار،
مشيرا إلى ان الترقب والحذر هما السمة التي تسيطر على السوق، ويتوقع خفض الأسعار اعتباراً من اليوم بعد عودة الحركة تدريجياً للسوق. وطالب بضرورة ايقاف التصدير لمدة 6 شهور حتى يقوم المنتجون بتوجيه الإنتاج للسوق المحلي وتتوقف المضاربات على الأسعار.
حمدي عبدالرحمن تاجر اسمنت يقول إن الإسمنت يباع في ضواحي القاهرة بأسعار مرتفعة حيث يباع بسعر 370 جنيهاً للطن، مؤكدا ان قرار وزير التجارة والصناعة لم يؤثر على السوق منذ صدوره وهو لم يصرف الإسمنت منذ 3 أيام.
وأضاف أن العيب في المصانع وليس في التجار، مشيراً إلى أن الأذونات تباع على باب المصنع بسعر 335 جنيهاً للطن بخلاف النولون وهوامش ربح حلقات التداول. ويرى اللواء عزام عبدالمنعم مستشار بالشركة القومية للإسمنت ان الشركة مازالت تبيع الإسمنت بالأسعار المتفق عليها دون أي تغيير.
وقال إن بيع مصانع الإسمنت للقطاع الخاص كان خطأ ولذلك يجب بيع الطاقة لمصانع الإسمنت بالسعر العالمي حتى يمكن الوصول لأسعار بيع حقيقية تتوافق مع السوق العالمي. وأضاف أن فرض رسم على تصدير الإسمنت خطأ لأنه لا يخدم قضايا التصدير الذي يجلب موارد مهمة للاقتصاد الوطني.
من جانبه، يؤكد هشام رجب مستشار وزير التجارة والصناعة لشؤون التجارة الداخلية أنه سيتم إعداد تقرير دوري عن سوق الإسمنت والحديد لوزير التجارة. وقال إن القرار ألزم التجار والمنتجين بإتاحة البيانات عن حجم الإنتاج والمبيعات وأسعار البيع والتصدير،
وأشار إلى أنه سيتم تحرير مخالفات للتجار غير الملتزمين بإعلان أسعار البيع وأن قرار فرض رسوم تصدير 160 جنيهاً لطن حديد التسليح و65 جنيهاً لطن الإسمنت لن يضعف القدرة التنافسية للصناعة المصرية وأن القرار حق للحكومة للحفاظ على الدعم الحكومي الذي يمنح للطاقة.
وقال إن صناعات الحديد والإسمنت مستهلكة للطاقة ولابد أن ينعكس دعم الطاقة على المستهلك بخفض أسعار المنتج المباع في السوق بدلاً من التوسع في التصدير ودعم المستهلكين في الأسواق الخارجية.
وأضاف أن المعروض من الإسمنت والحديد انخفض بالأسواق لأن أصحاب المصانع يفضلون تصديره حيث يحقق لهم هوامش ربح كبيرة، لافتا إلى ان فرض رسم صادر يهدف إلى توفير السلعة وزيادة الكميات المطروحة بالسوق المحلي.
ويقول علي حفظي رئيس الغرفة إنه سيتم طرح رأي منتجي حديد التسليح على الرأي العام وكيفية السيطرة على الأسعار، وأضاف ان القرار لا يمكن أن يلعب دوراً في السيطرة على الأسواق والأسعار لأن الأسعار المحلية لحديد التسليح أقل من الأسعار العالمية.
من جانبهم أكد عدد من تجار حديد التسليح الكبار أن قرارات وزير التجارة الأخيرة لن تلزمهم بخفض الأسعار وأن السوق عرض وطلب، خاصة وأن المنتجين أنفسهم رفعوا الأسعار بالفعل بل إن البعض منهم خفض الكميات التي يقوم بطرحها بالسوق، الأمر الذي يقلل من المعروض مما سيزيد الأسعار بمعدل 15%.
وقالوا إن غالبية المنتجين لديهم ثقة في أن حديد التسليح المستورد مازال أغلى من المنتج المحلي، وبالتالي فالأسعار لن تقل بل سترتفع.
القاهرة ـ محسن محمود