من الظواهر الغريبة والعجيبة التي تبدو واضحة في الدول العربية والإسلامية أن الأفكار التنموية الحديثة التي يصل إليها بعض علماء وخبراء هذه الدول تهمل مع الزمن ولا ترى النور، فيما يتواصل تطبيق الطرق والأساليب التقليدية التي لا تنتج إيجاباً إلا بقدر ضئيل لا يتناسب مع السرعة الكبيرة التي يزيد بها سكان هذه الدول.
وفي تحليل لأسباب هذه الظاهرة السلبية، يلاحظ أن هناك أكثر من عامل يشترك في وجودها، منها أيضاً الأساليب المتوارثة منذ حكم الاستعمار في الكثير من هذه الدول خاصة في أفريقيا وآسيا، وهي الأساليب التي تبعد شعوب هذه الدول عن متابعة العلم والبحث والركون إلى الراحة والخمول وعدم وجود طموحات إنتاجية لدى الطبقة المثقفة في هذه الدول وإصابة السكان في دول عربية وإسلامية عديدة بالإحباط نتيجة الظلم الذي يشاهدونه عن طريق أجهزة الإعلام في الخارج والداخل.
يضاف إلى ذلك أن المؤسسات والهيئات العامة التي نشأت في الدول العربية والإسلامية لدفع التنمية في هذه الدول ونقلهم إلى ما يتفق مع تاريخهم وحضارتهم وقوتهم السابقة، لم تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها بعد أن تحكمت البيروقراطية في مسيرتها وبقي الحال على ما هو عليه، بل هبط في كثير من المواقع.
وذلك في وقت تسارع فيه التقدم في دول متقدمة عديدة في أوروبا وأميركا وغيرهما، وعلى سبيل المثال فإن المنظمات والمؤسسات التي نشأت لدعم التعاون وتنمية التجارة البينية في الدول العربية والإسلامية، ظلت عند الحد الأدنى، وللتأكيد يمكن إجراء إحصائيات عن التجارة البينية بين الدول الإسلامية في الوقت الحالي ومقارنتها بالوضع التي كانت عليه منذ نصف قرن.
ذلك لأن الأفكار الحديثة التي تبتكر وسائل جديدة في التنمية والتقدم، تجد من يحاربها، أو على الأقل من يقلل من شأنها ويمنع ظهورها، قد يكون ذلك لرغبة شخصية مادية لدى فئات معينة في المجتمع لا تهتم بالصالح العام الذي يمكن أن يعود عليهم بالفائدة في النهاية.. آفاق ضيقة ورغبات مكبوتة ومصالح متضاربة وصفات أخرى كانت غريبة عن مجتمعاتنا وللأسف نجح الاستعمار في بثها بين شعوب هذه الدول قبل خروجه، لكي يظل ينهب ثرواتها دون عوائق، ويسانده في ذلك ما أبرم من اتفاقيات دولية عرف كيف يفرضها على الصعيد الدولي وينتفع منها على حساب الدول النامية التي يخشى استفادتها على حسابه، وكان آخرها اتفاقية منظمة التجارة العالمية الحرة والاتفاقيات الفرعية الملحقة بها.
لقد كانت هناك أفكار لوسائل جديدة لتنمية التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإسلامية والعربية، غير أنها اندثرت مع الزمن ومع الإهمال الذي يشوب هذا التعاون، بينما استفادت الدول الأوروبية من بعض هذه الأفكار عندما كانت تبني التعاون الاقتصادي البيني بعد الحرب العالمية الثانية، من بينها اتحاد المدفوعات الأوروبي الذي أُقتبس أساساً من الاتفاقية الجماعية لتيسير المدفوعات الجارية بين الدول العربية (أعدت عام 1951 بينما لم يوقعها أحد).
ومن بينها اتفاقية اتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية الذي وافق المجلس الاقتصادي العربي عليها في عام 1956 وتم توقيعها من خمس دول فقط ولم يستكمل التوقيع من باقي الدول العربية حتى اليوم، وبالتالي لم تر النور، بينما أخذت الدول الأوروبية بعض المبادئ الواردة بها وأنشأت السوق الأوروبية المشتركة ثم الإتحاد الأوروبي.
على أن الاتفاقية التي أعدها البنك الإسلامي للتنمية وحازت قبول أغلب الدول الإسلامية ومنها الدول العربية، والتي تضمنت مشروعاً كاملاً لانسياب التجارة بين الدول الإسلامية دون الحاجة إلى سداد نقدي والذي للأسف لم ينفذ حتى اليوم بالرغم من إعداده منذ أكثر من عشرين عاماً وبالرغم من قبوله من الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية.
وتم ذلك دون سبب معروف!! وأعتقد أن هذا المشروع أصبح في سلة النسيان حيث لم يشر إليه ولو بكلمة واحدة في الاجتماع الافتتاحي للجمعية العامة للمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة ITFC الذي انعقد بجدة أواخر فبراير الماضي والذي أعلن الأهداف المتعددة التي ستعمل هذه المؤسسة على تحقيقها في مجال تنمية التجارة الإسلامية البينية.
ومن المهم هنا عرض بعض ملامح هذا المشروع، وهو الذي توصلت إليه بعض الدول الإسلامية منذ سنوات بمساعدة وإشراف البنك الإسلامي للتنمية حيث تم فعلا صياغة اتفاقية جماعية تتضمن برنامجاً عملياً مقترحاً لتسهيل التجارة البينية بأسلوب المقايضة أطلق عليه «البرنامج المبسط للمقايضة الجماعية لتشجيع الاستيراد والتصدير» وظل هذا البرنامج معرضاً للمناقشة بين الدول الأعضاء خلال سنوات طويلة من الثمانينات ثم خرج من المناقشة بلا تنفيذ كغيره من المشروعات الأخرى!
لقد كان الهدف من البرنامج هو فتح نافذة مستمرة، إضافة إلى البرامج الأخرى العاملة في مجالات تنمية المنتجات الزراعية والمنتجات الصناعية الكاملة الصنع، والنصف مشغولة والسلع الاستهلاكية وجميع المنتجات التي لا تستوعبها البرامج الأخرى للبنك، والتي تسمح باستيرادها وتصديرها الدول المشتركة في البرنامج.
ويمتاز هذا البرنامج ببساطة تطبيقه وخلوه من كثير من التعقيدات الإدارية والمالية، وبعده عن المساوئ الاقتصادية التي ترافق عادة التعامل بأساليب المقايضات المعروفة دولياً، والتي يعرفها يقينا كل من له صلة بتجارة المقايضات بينما يجمع في نفس الوقت أفضل أجزاء هذه الأساليب، كما يعمل البرنامج على الاستفادة من مبادرات القطاع الخاص وقدرته على سرعة ومرونة الحركة، وتشجيعه على ذلك، كما يستفيد أيضا من المشاركة الفعالة والكبيرة.
ويهدف البرنامج أيضاً إلى تشجيع المنتجات الزراعية والصناعية الصغيرة والوطنية المتوسطة مع الاستفادة من الحصول على ميزة التوزيع في «السوق الكبيرة» وتوسيع قاعدة التوزيع. حيث يفتح الأبواب أمامها للتسويق في أسواق جميع الدول الأعضاء في البرنامج.
أو على الأقل في أسواق الدول التي توافق على الانضمام للبرنامج، ويعطي البرنامج البنوك الإسلامية ومحفظتها فرصة كبيرة للتحرك السريع والإيجابي، ويدعم أعمالها، كما لا يمنع البنوك التجارية والمؤسسات المالية الأخرى من المساهمة المثمرة والفعالة، خاصة في مجال التعريف بوجود فرص الاستيراد والتصدير. أما عناصر البرنامج المقترح فتتضمن ما يلي:
دولا إسلامية مشتركة في البرنامج توقع عقداً جماعياً بغرض المقايضة الجماعية بين بعضها البعض «استيراد وتصدير».وكالة وطنية هي الجهة الوطنية لكل دولة، والتي تحددها ليتمكن المصدرون والمستوردون الوطنيون من التعامل من خلالها، كما تكلفها بمسك حسابات صندوقها الوطني سحباً وإيداعاً.
عملة محلية تضعها الدولة المشتركة -ولمرة واحدة- في صندوق وكالتها المحلية - ويعادل مبلغها ما تم الاتفاق عليه بين الدول المشتركة بالدينار الإسلامي.
صندوقا وطنيا لتوازن تجارة المقايضات كل دولة تنشئ صندوقها الوطني ويحفظ لدى البنك الإسلامي للتنمية «حسب الاتفاق» تضع فيه عملتها المحلية بما يعادل ما اتفق عليه، تدفع منه استحقاقات المصدرين الوطنيين، قيمة ما استوردوه.. وتودع فيه ما يدفعه مستوردوها الوطنيون قيمة ما استوردوه.
ويكون المبلغ مدوراً يزيد وينقص REVOLVING ولهذا الصندوق حدوده العليا والدنيا، يجمد عند بلوغ حده الأدنى لأي طلب جديد لدفع قيمة صادرات جديدة حتى يغذي مرة أخرى بواسطة المستوردين، كما يجمد السماح باستيراد سلع أو منتجات جديدة عند بلوغه الحدود العليا حتى تتم عملية تصدير جديدة، وهو ما يشجع عمليات الاستيراد والتصدير.
مصدرين تابعين للدول المشتركة في البرنامج ـ كل مصدر يتعامل مع صندوقه الوطني ويحصل منه على قيمة صادراته.مستوردين تابعين للدول المشتركة في البرنامج ـ كل مستورد يتعامل فقط مع صندوقه الوطني ويدفع فيه قيمة ما يقوم باستيراده.
البنك الإسلامي كحكم، ومراقب، ومستشار، ومحاسب، ومتابع لكل حركة في صندوق كل وكالة وطنية مشتركة في البرنامج، يضمن بذلك أن الصندوق لم يتجاوز حدوده العليا والدنيا المتفق عليها، والاقتراح الأجدر هو أن يدير البنك الصناديق بالتعاون مع بنوك محلية لكل دولة، أو الوكالة الوطنية لتلك الدولة.
من المؤكد أن هذا المشروع لن يتم تنفيذه إلا بخطوات عملية محددة، قد تتم عن طريق البنك الإسلامي للتنمية أو المؤسسة الدولية الإسلامية، وذلك في ضوء أساليب عملية جديدة للتنفيذ تضعها مجموعة عمل من أعلى الخبرات النقدية والمصرفية في الدول الإسلامية والعربية، لا تزيد على عشرين خبيراً يتفرغون لوضع أسس وطريقة التنفيذ والأساليب الحديثة التي تضمن تنمية التجارة بين الدول الإسلامية وبالشكل الذي يؤدي إلى قيام صناعات جديدة وتكامل في صناعات قائمة بعيداً عن التنافس بين منتجات الدول الإسلامية ولكي تغطي استهلاك الشعوب الإسلامية والعربية وتقضي على البطالة.
لقد دعاني رئيس قطاع البحوث بالبنك الإسلامي للتنمية لزيارة البنك ومناقشة بعض نقاط هذا المشروع حيث وجدت ترحيبا منهم جميعا بالتنفيذ، غير أن البيروقراطية المكتبية بالتضامن مع بعض أعداء التقدم الإسلامي وقفت في طريق التنفيذ أملا في إهماله.. لكن الأفكار الجيدة لا تموت.
كاتب اقتصادي مصري
y_elmasry000@hotmail.com