السينما ساهمت في هبوط مستوى الأغنية المصرية، وضعف السيناريوهات قابله ضعف في المستوى وانعكس ذلك في دور العرض، من أغان هابطة تخدش الحياء ورقص خليع وكلمات مسفة يتم إقحامها كنوع من الإثارة، وبعد أن كان الغناء للأحاسيس وللحب والوطن، أصبح للحمير والحشرات والفاكهة،
وأصبح لهذه الأغاني شعبية كبيرة لدى الجمهور ويرددونها مثل «البلح والعنب»، و«بحبك يا حمار» لسعد الصغير، وشعبان عبدالرحيم «أنا بحب الحمار.. بجد مش هزار». و«التوتو ني» لنيكول سابا. ويؤكد المنتجون في سوق الكاسيت أن الجمهور يقبل على هذه الأغاني بقوة، فبعد شهرة «العنب» لسعد الصغير، و«اللي سرق العنب» لبعرور، حظيت أغنية «أركب الحنطور واتحنطر» لأمينة بشهرة كبيرة، ويبدو أن زمن الغناء للعيون والرموش والشعر الحرير انقلب وأصبح للديوك والحمير والكلاب والكتاكيت والعنب والبلح واللبن والحنطور، وهذه الأغاني ليست جديدة لكن الغريب أنها أصبحت علي شاشة السينما وفي شرائط الكاسيت.
واستمرارا لهذا الهبوط لم نندهش من قرار المطربة الشعبية «أوسا» بالتقدم للجنة التظلمات بالرقابة علي المصنفات الفنية التي رفضت أغنيتها «الكلب لولو»، وأكدت المطربة التي رفعت دعوى قضائية ضد الرقابة، أن الأغنية لا تتضمن أي إيحاءات كما فسرتها اللجنة معللة أن موضوعها عادي وبسيط بل وهادف أيضاً، وأيدها في حالة الغضب والرفض المؤلف «سيد عبده» صاحب الرصيد الكبير من هذه النوعية من الأغنيات، كما قرر مصطفي كامل الشاعر الذي اتجه للغناء ثم التمثيل السير علي الدرب مقدماً لنا أحد إبداعاته والتي تستغيث فيها الفرخة المسكينة من القطة الشرسة، وقام الشاعر «سيد إمام» الذي اتجه للغناء منذ ثلاثة أعوام بتقديم أغنية عن البانجو الذي خاض بسببها معركة شرسة مع شعبان عبدالرحيم، حيث راح كل منهما يؤكد أحقيته للأغنية وحسم الأمر لصالحه.
وتعقيباً على هذه الأغاني أكد حسن أبوالسعود نقيب المهن الموسيقية: أن السينما ساهمت في هبوط مستوى الأغنية بوجه عام في الآونة الأخيرة، فضعف السيناريوهات صاحبه ضعف في مستوى الأغنية لأنها تناقش موضوع الفيلم، فإذا كان الفيلم ينتمي للأعمال الجادة لابد أن تكون الأغنية جادة وذات قيمة، أما إذا كان العكس وللأسف هذا هو الوضع السائد حالياً، فالأغنية ستكون على نفس المستوى، ونظراً للدعاية المكثفة للأفلام واستقدام هذه الأغاني للإعلان عن الفيلم، وبالتالي تنتشر هذه النوعية انتشارا كبيرا وتعرض على الفضائيات وبشكل مكثف طوال فترة تواجد الفيلم في السينما. وأضاف أبوالسعود أن الرقابة مسؤولة عن تفويت مثل هذه الأغاني التي تخدش الحياء سواء بالألفاظ أو الحركات أو الرقص الخليع قدر مسؤوليتها عن المادة الدرامية وطريقة تصويرها. تقليد أعمى ويؤكد الموسيقار محمد سلطان أن الأسباب التي أدت إلى هبوط الأغاني هو تقليدنا الأعمى للفن الأميركي والأوروبي،
فالأغاني التي تقدم بالأفلام ليست وحدها الهابطة، بل كل الأغنيات تقريباً لدرجة أن عشاق الطرب أنفسهم أصبحوا يتلقون الأغنية بأبصارهم وليس بآذانهم، علماً بأن الأغنية معدة للسمع وليس للبصر، وعندما وصلت الأغنية لهذا الانحدار رأى المهتمون بالسينما أنها أصبحت مناسبة لأفلامهم.
ويرى الموسيقار حلمي بكر أن الجمهور هو السبب الرئيسي في تدني الفن وهو العنصر المساعد على تدمير السينما والغناء، فهو الذي يشجع على انتشار هذه الأعمال الغريبة وأصبح لا يميز بين الصوت الجيد والسيئ والقليل هو القادر على التمييز، وأصبحت الأغاني تحمل الكثير من المفردات الخاصة بقاموس الحيوانات والحشرات، وهناك مطربون قدموا أغنيات للطيور مثل أغنية «عندي حمامة» التي فيها إيحاءات، وأيضاً أغنية «بحبك يا حمار» و«بيئة طحن» وأغنية تقول «لا بالطويل ولا بالقصير ولا بالتخين ولا بالرفيع».
ويطالب الموسيقار حلمي بكر بالتدخل السريع للرقابة على المصنفات الفنية ونقابة المهن الموسيقية من أجل وقف هذه المهزلة المتمثلة في قيام بعض الأصوات النشاز بتقديم أغان تحمل كلمات مسفة، لأن الذوق العام أهم بكثير من أي شيء.
ويعلق الموسيقار د. جمال سلامة على ما يحدث بأن الإبداعات الغنائية عبارة عن فكرة يراها البعض سيئة ويراها البعض الآخر جيدة وهذه هي حرية التعبير، ولكن اليوم معظم الأغاني انحرفت إلى طريق آخر، وأنا لست ضد ما يقدم لأنني على يقين بأن كل فنان له الحرية في أسلوب تناوله للفن طالما هو مقتنع به، لكن ليس معنى ذلك أن يقدم السيئ، فرغم سعادتي بالحرية التي توصلنا إليها لكن أطالب بتقديم فن محترم.


