قالت صحيفة «وول ستريت» جورنال ان مدينة دبي لا تتوقف عن النمو رغم سرعته غير الطبيعية. فقد أعلنت شركة «هاليبورتون الأميركية مؤخراً عن نقل مقرها من أميركا إلى دبي. وفي وقت سابق اشترت شركة أسهم خاصة أميركية مجموعة من مدام توسو صاحبة متاحف الشمع العالمية التي تملك دبي فيها الحصة الأكبر.
وقبل ذلك أو بالتحديد في العام الماضي تصدرت دبي الصحافة الأميركية والعالمية عندما أثارت صفقة شراء دبي لشركة بي أند أو العالمية ضجة في الكونغرس الأميركي الذي اعترض على إدارة شركة من دبي لموانئ أميركية بناء على الصفقة المذكورة.
واشترت دبي ثاني أكبر شركة خاصة عقارية في أميركا وهي شركة جون لانج هوفر مقابل مليار دولار وفندق دبليو هوتيل في يونيون سكوير بنيويورك، ثم مؤخراً اشترت أيضاً فندق ماندارين أورنيتال في مركز تايم وارنر.
وتمثل مدينة دبي أنقى صور الرأسمالية والسوق الحرة حسب وصف «وول ستريت جورنال» ودائمة الحركة والنشاط. ويسكن دبي أكثر من 2 ,1 مليون نسمة منهم أكثر من 80% من الوافدين وبسبب ذلك فإن دبي هي بوتقة ثقافية تذوب فيها العديد من الثقافات أيضاً، مثل نيويورك في أوج عظمتها في القرن الـ 19، وتحتوي دبي على الناجحين والفاشلين كما كانت نيويورك أيضاً، وتضم أغنياء وفقراء و مهاجرين يجيدون الحياة في المدينة البراقة، باردة وصعبة وغير عادلة.
لكن الحكومة في دبي تحافظ على النظام جيداً وتنفق مليارات الدولارات على البنية الأساسية وتكرس جهودها لإنشاء المدينة الدولة التي تشمل عاصمة ودولة ومدينة كبرى في ذات الوقت، رغم أن دبي إحدى إمارات دولة الإمارات.
ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدبي 35 مليار دولار وبالتالي فإن دخل الفرد فيها ينافس أغنى دول العالم، ولا تزال هناك فرصة لمزيد من نمو هذا الدخل. والمشاريع التي تقام والمزمعة لابد أن تؤدي إلى نمو سكاني بمعدل أربعة أضعاف ونمو في الثروة بنفس الفور خلال العقد المقبل.
وتنوي دبي من أجل تحقيق ذلك مضاعفة بناء الجزر الاصطناعية في الخليج وإنشاء حديقة ملاه تصل مساحتها إلى ثلاثة أضعاف مانهاتن مع إنشاء نماذج بالحجم الطبيعي لبرج إيفل والأهرام. وتبني دبي أعلى برج في العالم، وتستوعب المرافق السياحية 15 مليون زائر سنوياً (نيويورك 40 مليون سائح).
ومن السهل جداً عمل قائمة مطولة بالإنجازات والعجائب التي تحفل بها دبي، مثلاً سكاي دبي، أو مضمار التزلج المغلق، ومول الإمارات العملاق الذي يضم محال تجارية لغالبية الأسماء العالمية الشهيرة، وسوق الذهب، أحد أكبر الأسواق في العالم وبلغت مبيعاته في العام الماضي نحو 500 طن، ولا تزال دبي تتمتع بشهرة الميناء المفتوح وأصبحت محطة تجارية ومركزا تجاريا رئيسيا لطرق الشحن بين آسيا والهند من ناحية والعالم الغربي من ناحية أخرى.
لكن ما يجعل مدينة دبي أكثر من مجرد مركز تسوق هو أنها توفر نموذجاً بديلاً للقلاقل والخلافات العرقية والدينية التي تنتشر على مسافة بضع مئات الأميال فقط شمال دبي في العالم العربي والمعيار الوحيد للنجاح والقبول الاجتماعي في دبي هو الدرهم، فهي مدينة رأسمالية «ضخمة» من حيث الموقف والممارسة نظرياً وفعلياً وتكتمل الصورة فيها بقوانين البنوك بدرجة تجعل سويسرا غير جذابة بقدر جاذبية دبي.
ويقوم المسلمون بإبرام صفقات مع المسيحيين ويبيع المسلمون في دبي مساكن لعملاء سواء من ماليزيا أو الكويت. وتسهل البنوك الاستثمارية العالمية العقود بين الحكومة في دبي والشركات الأميركية مثلاً ويشتري البريطانيون والأميركيون عقارات في دبي التي تشتري أيضاً عقارات في أميركا وبريطانيا.
ورغم ذلك تحتفظ دبي بهويتها العربية الشهيرة الجذابة وتفخر بأن تقدم نفسها كنموذج للتسامح الإسلامي والنجاح العالمي والنفوذ والشهرة الدولية. وقدرة دبي على أن تفعل ذلك لا يستطيع أن يصدقها الغرب ـ الذي لا يعترف بأن العالم العربي قادر على المشاركة في النظام العالمي حتى يتخلص من الأشكال الفظة للفكر القديم المتحجر.
وتعتقد أجزاء كثيرة من العالم إن دبي تمثل تحدياً كبيراً، مثلها مثل سنغافورة، فهي تتمتع بعدد قليل من السكان ولا تتوفر لديها مساحات أرض كبيرة، مثلاً كما هي الحال في مصر أو سوريا، لكن النموذج الثقافي والتجاري والاقتصادي والموقف الذي تطرحه دبي يجعلها صورة بديلة مستقبلية، صورة ناجحة ومؤكدة وواثقة من نفسها، ولا تزال بعيدة عن أي انقسامات أو تناحرات عرقية أو دينية أصبحت تشكل الوضع القائم في غالبية الشرق الأوسط.
ولا ينبغي اعتبار دبي أنها فقط لاس فيجاس عربية بل تتحدى بعمق المفهوم المسيطر على الغرب بأن العرب لا يستطيع المسلمون والمسيحيون وحتى اليهود أن يتعايشوا بينهم ومعهم ويتعاونون سوياً من أجل بناء المستقبل، إن دبي دليل حقيقي وواقعي على خطأ هذا المفهوم (لدى الغرب).
ترجمة: أشرف رفيق