شكلت الحروب ومآسيها على الدوام دافعاً للمبدعين، لإنتاج روايات وقصص وموسيقى و تنويعات تشكيلية في الرسم وسواه، كما استفادت السينما كثيراً من الحروب لتحقيق دراميات، في الأصل زاخمة في ساحات المعارك، الفاصلة بين الموت والحياة.. الشقاء والسعادة.. اليقين والشك.. الحقيقة والوهم. والكثير من متقابلات تبدأ من مكان وزمان محددين، ولا تلبث أن تنفتح على أمكنة وأزمنة لا حصر لها.
ليست كل إنتاجات السينما الحربية ذات مستوى جيد، بل إن أكثرها لم يكن ذا شأن. أفلام كثيرة تاجرت بظواهر الحروب وليس ببواطنها، والقلة منها أصاب من ساحات الوغى ما هو أبعد منها، أي أنه أثار أسئلة حول الصراع كجدل إنساني كان ولا يزال مترافقاً مع الحضارات الإنسانية منذ بدء التكوين، وإن أسماء الروايات والأفلام والإبداعات الأخرى الجيدة، التي تناولت الحرب لا تعد ولا تحصى. «هانيبال ريسينغ» أو« تمرد هانيبال» الذي تبدأ بعرضه الصالات المحلية مطلع الأسبوع المقبل، من تأليف توماس هاريس الروائي والسينمائي، الذي قدم سلسلة بعناوين مشابهة، زادها شهرة الممثل الساحر انتوني هوبكينز الذي أدى أدوار البطولة في معظمها، ولكنه يتغيب هنا عن الانقضاض على أعدائه، تاركاً الساحة للمثل الفرنسي غاسبارد اوليل بدورهانيبال ليكتير، الذليل والمفجوع بموت والديه أمام ناظريه، خلال الحرب العالمية الثانية في ليتوانيا في أوروبا الشرقية، على يد جنود الاحتلال النازي، فيجبر على العيش مع شقيقته التي يتولى رعايتها في ملجأ «سوفييتي»،
ثم يهرب مع شقيقته إلى باريس ليجد عمه قد توفي، فتستقبله أرملته وتحيطه برعاية ليست كافية لتبديد كوابيسه وخوفه من النازيين الذين يلاحقونه على الدوام فيرد لهم الصاع صاعين، في انتقام يتساوى مع عنف العدو ويتجاوزه أحياناً. ينهشهم، كأن لا فكاك من العدو إلا بأكله، صورة كاريكاتورية على الأرجح، لكنها مرعبة، في درامية مثلثة الأضلاع، بين رجلين عنيفين بينهما المرأة الحب والخطيئة زوجة العم المتوفي، والشقيقة الأم والابنة.
تركيبة سيناريو ذكية، قياساتها محسوبة واحترافية، تأخذ بعين الاعتبار المشاهد العادي والناقد على حد سواء، وهذا طموح مشروع لأي مؤلف أو مبدع أن يرضي ذوقين. ولعل تعاون المخرج بيتر ويبير مع المؤلف توماس هاريس فيه ما يشي بصناعة صورة تتكامل بكل محتوياتها، إن كانت فنية أو تقنية، من المونتاج إلى الموسيقى وكل المصاحبات الأخرى التي جاءت ذات مستوى جيد وأكثر،
كما هو أداء بطلة الفيلم الممثلة الصينية زانغ لي، بدور الليدي اليابانية موراسكي، وهي هنا اكتسبت خبرة واضحة من أعمال كثيرة، أهمها في العام الماضي حين لعبت دور البطولة في «ذاكرة الغيشا» بادارة روب مارشال، أو بإدارة وانغ كار واي مواطنها الصيني في فيلم «2046»، العمل الرائع واللامع في سماء السينما الآسيوية عامة.
وفي مقابل لي يأتي الفرنسي غاسبارد أوليل الذي شاهدناه في فيلم «باريس أحبك»، وعمل تحت إدارة الإيطالي رودولف ماركوني في «ذا لاست داي»، وهو هنا يؤكد حضوراً مميزاً ومؤثراً، وينبئ بمستقبل لن يكون عادياً. «هانيبال ريسينغ» يختصر الكثير من آلام الأفراد والجماعات في الأزمنة العصيبة التي تبقى الحرب أشدها.
دبي ـ حسين قطايا

