امرأة في سن التقاعد من عملها كمدرسة، عانس ووحيدة. تستعيض عن فراغ حياتها بتسجيل يومياتها، مع وصف دقيق لكل ما تشاهد من شخصيات وحكايات. تقول عن نفسها: «لطالما احتفظت بأسرار الآخرين، ولكن من يحتفظ لي بأسراري؟». تلعب دور المراقب وتدخل في صلب التفاصيل لمن يثق بها، ولا تلبث ان تتطلب من الصديقة المؤازرة على حساب أشياء مهمة.

تريد هذه المرأة الكثير، وإلا تقوم بفضح أسرار الصديق، ولو أدى ذلك إلى خراب حياة عائلية. أنانية مفرطة بلا شك، تتمتع بها المعلمة بربارا (تجسد شخصيتها الممثلة جودي دينش)، تمسك بسر علاقة لزميلتها شيبا (كايت بلانشيت) المتوسطة العمر مع صبي غير بالغ، تصارحها تناقشها بالتفاصيل، وتبدأ بفرض سيطرتها عليها، تحاول استغلالها عاطفيا، وتتمنى أكثر من ذلك.

وحين تتوانى الزميلة الضحية عن تحقيق رغبات العانس، تقوم بفضحها وتدميرها، ونكتشف أنها تفعل ذلك على التوالي مع صديقات أخريات. وتستمر حتى نهاية الفيلم في البحث عن صديقة جديدة أي ضحية محتملة.

«ملاحظات على فضيحة» اقتبسها السيناريست باتريك ماربر عن رواية «بماذا كانت تفكر» لمواطنته الإنجليزية زوي هيللير، وأخرجها ريتشارد إيير، بما يوحي بمناخ أقوى روائيا من المناخ الكتابي للرواية.

بينما ساهم الأداء الاحترافي العبقري للممثلتين جودي دينش وكايت بلانشيت بإضفاء هذه الصيغة، المولدة لما يسمى عملية تناص، أي تركيب مناخين فوق بعضهما بعضاً. المرأتان صورتان من جيلين، العانس شديدة الذكاء والعقد والتناقضات، والمتزوجة شديدة السذاجة وتخضع لأي علاقة مرتبكة داخل المنزل العائلي وخارجه.

والدها كان رجلاً استثنائياً كما تقول والدتها عنه، وهذا يبرر زواجها من رجل يكبرها بعقدين من الزمن. ليست قريبة من ولديها كما تفعل الأم عادة. لا تتخلى عن دورها هذا بالمطلق لكنها لا تقوم به كما يفترض، بهذا المعنى تتساوى شيبا مع بربارا، ليستا صورة واحدة لشخصيتين، ولكنهما معا في تراجيدية الوحدة والفراغ.

المراهق الذي يغوي معلمته، لا يتورع عن استخدام الكذب لتحقيق أهدافه، حوله تدور القصة، لكن المخرج أراده هامشياً، هو إضاءة على ترهات المراهقة. ويشكل مع ابنة شيبا المراهقة أيضاً طرفاص خيط لجيل، له تراجيديا فراغه ووحدته الخاصتين والمحدودتين.

هكذا استطاع المخرج أن يهرول عل طول الفيلم وعرضه بين ازمنة وبين اجيال، ودائما وقع خطواته في الفراغ، لكن الصدى يظهر في الصورة واللقطات السريعة الخاطفة. وفي كوادر أقل ما يقال فيها إنها غير متكلفة، تصرح بمضمونها وتختفي، مستفيدة من الحوارات السريعة والمقتضبة، والسرد الطويل لتسجيلات بربارا بصوت جودي دينش، التي تأسر المشاهد بأدائها.

وكذلك هي كايت بلانشيت الموهوبة صاحبة الأوسكار منذ عامين عن شريط المخرج مارتن سكورسيزي «الطيار»، وهي تثبت في «ملاحظات على فضيحة» انها تستطيع ان تقف بمواجهة كبار من أمثال دينش وغيرها. ومن المهم ان تمثل في عمل من انتاج أوروبي وهي الاسترالية الشقراء التي يمكن ان تحولها هوليوود إلى «صنم» جميل، لكنه أبكم.

«ملاحظات على فضيحة» أنتج في نهاية العام الماضي، ويعرض متأخراً في الصالات العربية والمحلية. ومرشح للمنافسات في مهرجانات السنة الحالية، خاصة في مهرجان فينيسيا السينمائي الذي يقام في مدينة البندقية الإيطالية خلال شهر سبتمبر المقبل.

دبي ـ حسين قطايا