عندما تم توقيع بروتوكول الإسكندرية عام 1945 ونشأت بموجبه جامعة الدول العربية ولها مجلسها الخاص الذي يسمى «مجلس جامعة الدول العربية»، كان من المتصور أن يعطى التعاون الاقتصادي العربي الأولوية قبل أي تعاون آخر مثلما كان الوضع عليه بين الدول الأوروبية عند إنشاء الاتحاد الأوروبي،

خاصة وأن الغالبية العظمى من أبناء الشعب العربي كانوا يقاسون من الفقر والجهل والمرض، وكانت أغلب الدول العربية تعاني من الآثار السيئة للاستعمار بعد خروجه في منتصف القرن العشرين. لذلك أورد البروتوكول أهمية التعاون في الشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحددت المادة الثانية مجالات التعاون في ستة بنود في مقدمتها الشؤون الاقتصادية والمالية والتجارية والنقدية

بالإضافة إلى التعاون في شؤون المواصلات البرية والجوية والبحرية وفي شؤون الجنسية والجوازات والشؤون الثقافية والصحية، وكلها مجالات يتعين أن تسبق التعاون السياسي الذي قد تشوبه صعوبات يمكن علاجها تدريجياً طالما كانت هناك قاعدة ثابتة للتعاون الاقتصادي الذي يؤدي إلى إعداد المواطن العربي ورفع مستوى معيشته لكي يقوم بواجباته القومية التي تقود بلاده مستقبلا إلى المزيد من التعاون والتكامل.

غير أن مجلس جامعة الدول العربية بدلاً من أن يتولى هذا التعاون عن طريقه مباشرة تولاه بطريق غير مباشر حيث أسنده إلى مجالس ومنظمات متخصصة ومستقلة وبعيدة عنه (بلغت حالياً ما يزيد على عشرين منظمة)

ونظم بشأنه مؤتمرات وملتقيات وندوات أصدرت مئات التوصيات والمطالبات بينا لم تصل إلى مستوى التنفيذ العملي في أي منها لأنها لم تتابع وكانت تهمل بمرور الوقت حتى انقضى اليوم ما يزيد على ستين عاماً، لأن أغلب هذه التوصيات كانت فارغة من خطوات عملية ومملوءة بتمنيات تدعو إلى التعاون الجاد المحدد في بروتوكول إنشاء جامعة الدول العربية الذي لم يتم منه شيء حتى الآن.

لقد توزع التعاون الاقتصادي العربي على جهات متعددة لكل منها إدارة مستقلة وميزانية مستقلة وأفكار مستقلة دون أن يكون هناك ارتباط أو تنسيق مع ما ورد في بروتوكول الإفشاء، وهو ما أفرز الفشل التدريجي في تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية التي أنشئ مجلس خاص لتحقيقها عام 1956،

كما أفرز الفشل في تحقيق السوق العربية المشتركة التي أعدت لها اتفاقية خاصة عام 1964، وإذا كانت منطقة التجارة الحرة الكبرى قد تم تنفيذها وألغيت الجمارك على السلع العربية المتبادلة بين أعضائها،

فإن التنفيذ ليس كاملاً لكل بنودها ولكل أعضائها بدليل أن التجارة العربية البينية لم تصل إلى الهدف الذي وضع لها وهو 20% من جملة التجارة الخارجية العربية، بينما لا تتعدى حالياً 10% فقط (يُرجع إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر في سبتمبر 2006).

وليس هناك شك في أن عدم تحقيق أهداف التعاون الاقتصادي العربي يرجع أولاً وأخيراً إلى عدم وجود قيادة اقتصادية موحدة تتولى مسؤولية تحقيق أهداف هذا التعاون وتسأل عنه، وأعتقد أن الصورة القاتمة للتعاون الاقتصادي العربي كانت أمام مؤتمر القمة الذي انعقد بالخرطوم في العام الماضي حيث تقرر أن تقوم جامعة الدول العربية بإعداد إستراتيجية جديدة للعمل العربي المشترك

لكي يعود إلى الطريق الصحيح ويكون تعاوناً جاداً تتولاه قيادة موحدة وليست موزعة بين جهات متعددة؛ الإدارة الاقتصادية في جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية وجزئياً المنظمات العربية المتخصصة وفي مقدمتها صندوق النقد العربي، وعلى أن تُعرض الإستراتيجية الجديدة على مؤتمر القمة القادم الذي سينعقد بالرياض في أواخر مارس القادم.

وتم إعداد هذه الإستراتيجية فعلاً في أواخر العام الماضي وتم مناقشتها في اجتماع حضره الأمين العام لجامعة الدول العربية وعرضت على المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالجامعة في دورته العادية التاسعة والسبعين التي انعقدت في منتصف فبراير الماضي،

وذلك ضمن ملف اقتصادي كامل يتضمن أيضاً إنشاء الاتحاد الجمركي العربي وإنشاء مرفق البيئة العربي وقمر صناعي عربي لمراقبة كوكب الأرض والإستراتيجية العربية للاتصالات والمعلومات، وكلها موضوعات هامة

ولكن تَجُبُّهَا الإستراتيجية الجديدة للعمل العربي المشترك والتي يتعين أن تأخذ الأولوية الأولى في العرض على مؤتمر القمة القادم في الرياض، خاصة وأنها يمكن أن تضم إليها في التنفيذ كل الموضوعات الاقتصادية المشتركة طالما توحدت قياداتها وأُسندت إلى جهاز واحد له إدارة موحدة.

ويُلاحَظ أن الإستراتيجية الجديدة التي سيتم عرضها على مؤتمر القمة المقبل تتضمن مراجعة شاملة وانطلاقاً جديداً للعمل العربي المشترك حيث تضمنت كل المشروعات الاقتصادية التي نأمل أن تتحقق في أقرب فرصة ممكنة كرد فعل للتباطؤ والإهمال والتهميش الذي شهده العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية طوال النصف قرن الأخير،

وخاصة أنها تشمل البنود الرئيسية التالية:

ـ القطاع الجمركي الذي تأخر تحقيق التعاون فيه ما يقرب من نصف قرن، حيث وضعت الإستراتيجية عدة أهداف لتفعيل التعاون الجمركي خلال السنوات القليلة القادمة، وذلك استكمالاً للتعاون التجاري وتطبيق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي ألغت الجمارك على السلع العربية المتبادلة بين الدول العربية منذ سنتين،

كما طالبت بإنشاء الاتحاد الجمركي بحلول عام 2015 استكمالاً لمتطلبات المرحلة السابقة للتعاون، وهو ما يتضمن توحيد التعريفة الجمركية تجاه العالم الخارجي وتوحيد الإجراءات الجمركية والوثائق المصاحبة لعمليات التبادل التجاري مع توحيد القوانين الجمركية العربية في إطار قانون جمركي موحد تطبقه جميع الدول العربية.

ـ القطاع الاستثماري والتجاري حيث طالبت الإستراتيجية برفع كفاءة النقل بين الدول العربية براً وبحراً وجواً والتوسع في إقامة مشروعات عربية مشتركة في جميع الجوانب الاقتصادية التي تخدم السوق العربية المشتركة (أُعدت اتفاقيتها منذ عام 1964 ولم تنفذ بعد!!)

وعلى سبيل المثال الجانب الصناعي والزراعي وجانب الخدمات الإنتاجية وفي مقدمتها قطاع النقل والاتصالات والمعلومات والكهرباء وقطاع التجارة العربية السلعية والخدمات المالية والمصرفية والتأمينية والتسويقية والإعلامية وإيجاد منطقة استثمارية عربية مشتركة مع رفع كفاءة الإنتاج العربي الوطني المشترك.

ـ تطالب الإستراتيجية بتأهيل اقتصاديات الدول العربية الأقل نمواً وتطويرها وذلك عن طريق عدد من الأهداف الفرعية كتطوير القاعدة الإنتاجية الزراعية والصناعية وتطوير البنية التحتية بالنسبة للنقل والاتصالات والكهرباء والخدمات المالية وتطوير القوى العاملة وتأهيلها لتأدية دورها الإنتاجي مع دعم التنمية الريفية بهذه الدول ومحو الأمية

وتقليص الفقر والرعاية الصحية وتوفير مياه الشرب والصرف الصحي، ويذكر أن تطوير اقتصاديات الدول الأوروبية الأقل نمواً كان التركيز عليه في التعاون الاقتصادي الأوروبي حيث ساعد على قيام السوق الأوروبية المشتركة ثم السوق الأوروبية الموحدة ووصل حالياً إلى الاتحاد الأوروبي الذي أصبح له ثقل كبير في اقتصاديات العالم.

ـ تضمنت الإستراتيجية أيضاً عدداً من الأهداف الفرعية لتوسيع مشاركة القطاع الخاص وتفعيل دوره في العمل الاقتصادي والاجتماعي بعد غياب نصف قرن تقريباً وبعد أن أصبح المساهم الرئيسي في النشاط الاقتصادي للدول العربية وتجاوزت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لكثير من الدول العربية مساهمة القطاع العام والحكومي،

كما طالبت الإستراتيجية بتوفير البيئة الملائمة لنشاط القطاع الخاص بالإضافة إلى البيئة التشريعية والاستثمارية ورفع القيود على تحركاته بالنسبة لإنشاء المشروعات المشتركة الصناعية والزراعية والخدمية وإتاحة المعلومات عن الأسواق العربية والفرص المتاحة للاستيراد والتصدير والاستثمار مع ضرورة إشراكه في القرارات الاقتصادية العربية.

ـ توسيع نشاط البحث العلمي والتكنولوجي وتطوير ونقل وتوطين التكنولوجيا والوصول إلى التقنيات المناسبة التي تحقق الاستخدام الأمثل للموارد العربية وترسيخ كفاءة وجودة المنتج العربي وقدرته على المنافسة وإيجاد الروابط بين مراكز ومؤسسات البحث العلمي العربي العامة والخاصة

وتبادل المعلومات والبيانات والخبرات والتجارب البحثية والعلمية والمعرفية فيما بينها مع تشجيع إقامة مشاريع ومراكز حديثة للبحث العلمي في الدول العربية تكون متاحة لجميع الباحثين العرب مع تشجيعهم على إعداد بحوث مشتركة تخدم المنطقة العربية.

ـ تطوير أداء وكفاءة مؤسسات العمل العربي المشترك بما يمكنها من المشاركة الفعالة في تحقيق أهداف هذه الإستراتيجية وإلغاء الازدواجية بين مهام وأنشطة هذه المؤسسات، وذلك من أجل تحقيق عوائد أفضل للتعاون الاقتصادي العربي ودفعه لتحقيق السوق العربية المشتركة،

ومن المعروف أن هناك ازدواجية في عمل بعض مؤسسات العمل العربي المشترك نتيجة لانفصال كل منها عن الأخرى ووضع ميزانيات مستقلة لكل منها وعدم تحقيق بعضها للأهداف الواردة في اتفاقية الإنشاء، وهو ما ساعد على عدم تحقيق إنجازات عملية، باستثناء إنشاء منطقة التجارة العربية الحرة التي مازالت تواجه صعوبات في تحقيق أهدافها.

ـ بذلك تكون النصوص الواردة في الإستراتيجية المشتركة للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي التي ستُعرَض على مؤتمر قمة الرياض في أواخر مارس القادم قد تناولت كل القطاعات وتضمنت كل الأهداف التي يمكن أن تفرز تعاونا

وتكاملا اقتصاديا عربيا جادا نأمل جميعاً في تحقيقه، غير أن مجرد عرض هذه الإستراتيجية لا يكفي، فالمطلوب أن يعرض معها خطة التنفيذ العملي ووسائل التنفيذ والبرنامج الزمني المطلوب للتنفيذ، ومن سيكون مسؤولاً عنه ومن يقوم بتمويله.

على أن إقرار ذلك يتطلب إنشاء مجموعة عمل من كبار الخبراء والفنيين العرب، تقوم بوضع خطة تنفيذ للإستراتيجية بعد اعتمادها من القمة ثم إسنادها إلى قيادة موحدة وجهاز واحد (يمكن أن تكون مؤسسات العمل العربي المشترك الحالية فروعاً له)

يقوم بإعداد تقرير عن متابعة التنفيذ يُعرض على مؤتمر القمة بصفة دورية لكي يقرر مدى نجاح أو فشل الخطة.. ومن الأهمية والضرورة القصوى أن يتم تغيير أخلاقيات التعاون العربي المشترك.. لينبع من القلب والعقل ويراعي الصالح العربي العام.

كاتب اقتصادي مصري

y_elmasry000@hotmail.com