لا نختلف على أن العمل الإعلامي في الميدان الحربي هو من أخطر الأعمال التي تواجه الإعلاميين والصحافيين العُزّل والذين يدفعون حياتهم في كثير من الأحيان من أجل صورة أو لقطة أو تقرير أو حدث ساخن،

كما يحدث الآن في العراق على وجه الخصوص؛ فالصحافيون والإعلاميون في قوس النار وعلى مرمى الغدر الطائفي وحياتهم في فم الشيطان كما يقال.أذكر هذا وسنة كاملة مرت على استشهاد الإعلامية أطوار بهجت التي قُتلت بطريقة بربرية في مسقط رأسها أثناء تغطيتها المباشرة لأحداث تفجير قبتي سامراء وما رافقهما من عنف طائفي مسلح كاد يؤدي إلى حرب طائفية بين مكونات الشعب العراقي.

قُتلت أطوار بهجت في ظرف محلي صعب بعد انْ كانت تتنبأ بموتها في الكثير من تقاريرها الصحافية، لأنها تعرف بالمراس أن الإعلاميين العراقيين المتواجدين في ساحة الأحداث قادرون على أن يصلوا إلى جمرة الحقيقة ويلامسوا جوهرها بالطريقة الموضوعية والحيادية.

كان الموت يترصد هذه الشابة الجميلة وفي مدينتها سامراء التي ولدت فيها وهي تنقل جزءاً صعباً من مأساة شعب محتل يتحارب من أجل أوهام كثيرة ورموز أكثروهماً وكانت أطوار تحاول أن توفق بموضوعيتها بين الرؤوس فلا فرق بين عراقي وعراقي إلا بحب الوطن كما كانت تردد وهي عاجزة عن فعل شيء شأنها شأن العراقيين المستسلمين إلى واقع الحال.

ما لا تعرفونه عن مقتل أطوار هو شيء مفزع؛ فبعد اختطافها المشكوك في تدبيره وُجِدت قتيلة في سامراء بعد يوم واحد فقط من اختطافها، وهذا يعني أن (قرار) القتل كان جاهزاً و(موقعاً) من قبل جماعة (مجهولة ـ طبعاً ستبقى مجهولة!) كانت تترصد تحركاتها خارج بغداد على وجه التحديد. فلم تُقتل أطوار برصاصة (رحمة) في رأسها ولا في قلبها ولا في أي مكان في جسدها الطاهر.

لم تسمع رصاصة تئزّ في دماغها ولا اصطفق قلبها بزفيف طلقة ساخنة أنهت حياتها؛ إنما كان القتلة في غاية (البراعة) والدقة والسادية في تنفيذ الجريمة بأسلحة ميدانية مبتكرة استخدموا فيها (الدريل ـ وهو مزرف الحائط الصلب) والسكاكين والكاويات والمسامير الغليظة والسواطير الحادة !!

قتلوا أطوار بهذه (الأسلحة) البدائية لتمتلئ عيونهم بدمها الشاخب، ليتلذذوا بصراخ الطفلة فيها وهي تستعطفهم (أرجوكم أنا أختكم.. أنا أختكم) وما كانت أطوار تدرك لحظتها أنها وقعت بين غابة من المخالب والوحوش الذين كانت بينهم وبين الاخوة مسافة ضوئية لا قرار لها وحاجز اسمنتي بسمك العراق لا أخلاق فيه ولا دين ولا عطف،

سوى البربرية والسادية والانتقام الأعمى، حينما قصوا ثديها البكر بساطور وأكلوه وقطّعوا فخذها بالسكاكين وثقبوا عينيها بالمزرف كي لا ترى حقيقتهم الدموية وشطبوا جسدها الغض بمشارط عمياء لا يحتملها حتى الجبل،

كل هذا كي ترى موتها وتعيشه لحظة بلحظة،لا لشيء إلا أنها كانت صاحبة رسالة إعلامية (اجتهدت) أن تبقى عراقية على صراط العراق وخريطة العراق التي كانت تتدلى على رقبتها يوم مقتلها وفي آخر تقرير ظهرت فيه من مدينتها سامراء التي قتلتها! سنة مرت على استشهاد حمامة العراق الأليفة وما كانت المراثي كافية أن تعيد إلينا الحقيقة.

waridbader@yahoo.com