عُرض مؤخراً فيلم «المدينة الضائعة» بطولة وإخراج الممثل الكوبي الأصل «آندي غارسيا» ،بمشاركة نخبة من نجوم هوليوود وعلى رأسهم بيل موري، و « داستن هوفمان، وإينس ساستر.

قصة الفيلم مقتبسة من رواية المؤلف الكوبي كابريرا «مصيدة النمور الثلاثة »، ويعتبر هذا الكاتب -الذي توفي العام الماضي- أحد أبرز المعارضين لنظام الرئيس الكوبي فيديل كاسترو ، ومن اللحظات الأولى للفيلم وبخلفية موسيقية لأحد عازفي الساكسفون ، يشعر المرء وكأنه يشاهد جزءاً آخر من رائعة كوبولا« العرّاب »، والاحداث تقع في هافانا أبان السنة الأخيرة -1958-من حكم الديكتاتور «باتيستا» .وتنتقل الكاميرا لتصور الأجواء الليلية في ملهى «إل تروبيكو» الذي يملكه أحد أفراد عائلة فيلوفي الثرية، ويظهر المالك «فيغو» الذي يقوم بدوره «غارسيا» وهو يجوب ببدلته البيضاء أرجاء المكان.

ويقدم ابتساماته وتحياته للاجتماع العائلي الذي ضم والده البروفيسور في جامعة هافانا وشقيقيه لويس الذي يقتل أثناء اقتحامه مع مجموعة ثائرة القصر الرئاسي، وريكاردو الذي يقرر الالتحاق بالثائر فيديل كاسترو «تشي جيفارا»، ويحدث جدل بين الأشقاء حول كيفية تغيير الأوضاع وإصلاح كوبا، حيث يصطف «فيغو» إلى جانب رأي والده بضرورة التغيير على الطريقة «الغاندية».تبدأ بعد ذلك الأحداث التي تعصف بكوبا بعد تصاعد العنف والظلم الذي تمارسه سلطة باتسيتا ، ويتحمل «فيغو» الهم الأكبر خصوصاً بعد انتصار الثوار وقدوم شقيقه «ريكاردو» معهم وقد تم غسيل دماغه بالشعارات اليسارية، ويظهر الفيلم مدى السذاجة والسطحية التي يتعامل بها الثوار مع الناس ومع مفردات الحياة، ويضطر «فيغو» إلى مغادرة هافانا بعد طغيان الثوار ، ليهرب إلى «أرض الحرية» كما يروج لها الفيلم، حيث يحط رحاله في نيويورك .

يلتقي «فيغو» في أميركا برجل المافيا «داستن هوفمان» بحضور صديقه الكاتب الساخر «بيل موري» ويعرض عليه رجل العصابات، إنشاء ملهى وكازينو على الطريقة الكوبية ، وينتهي من حيث بدأ بمقطوعة «ساكسفون» وحركات راقصة للبطل «فيغو» الذي يتألم حين ترفض حبيبته «أورورا» الالتحاق به في أميركا لاقتناعها بالثورة الكوبية.

ما يحسب للفيلم هو استخدام «آندي غارسيا» لجمال الطبيعة التي تحفل بها «الدومنيكان» التي جرى فيها التصوير باعتبارها هافانا، والصخب والمزاوجة الرائعة بين مختلف مكونات الفيلم التي تختلط فيها لحظات الرومانسية والحب بالهرج الثوري، والشغف والحياة التي تبثها الموسيقى الكوبية الساحرة بأحياء وأزقة الفقراء وأحلامهم .

والجانب الاستعراضي في الفيلم كان مبهرا وممتعا ،وقدم الرقصات والأغاني على أنغام السامبا والتشا تشا والألحان السريعة، وحشد المخرج ما يقرب من 268 فنانا وفنانة كانوا الأبرع في الرقص والغناء والحركات الإيقاعية، ورغم دوره الصغير تفوق النجم «بيل موري» من خلال أدائه العالي ، بينما يبقى السؤال: هل أساء «داستن هوفمان» لنفسه حين قبل بأداء دور لا يتناسب مع قدراته الكبيرة؟ أم أنه أثبت عظمته وتواضعه وحبه للسينما بقبوله لهذا الدور!

وما يحسب على الفيلم؛ ولا علاقة له بالجانب الفني هو المضمون والسرد الذي لا يختلف كثيراً عما يروّج له الغرب ضد الشيوعية والاشتراكية ورموزها، ويركز الفيلم كثيراً على الرؤية الغربية «لمدينتهم الضائعة- هافانا»: بحر، نساء متعريات، كوكتيل، سيجار فاخر، وحين تسقط المدينة بيد الثوار الأعداء، يكون «المُخلّص» هو «العم سام» ومدنه الرأسمالية، وهكذا وقعت «هافانا» بين مطرقة «باتيستا» الرأسمالي وسندان «كاسترو» الاشتراكي.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري