اختلف عدد من الخبراء والمراقبين حول مدى ارتباط أسواق المال المحلية بالأسواق العالمية، على غرار حالة التصحيح السعري الحاد الذي ضرب السوق الصيني خلال الأسبوعين الماضيين. ذلك الأمر الذي طرح تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية حول طبيعة العلاقة التي تحتكم إليها أسواق المال المحلية مع مثيلاتها الناشئة في آسيا، أو أسواق عالمية أخرى مثل أميركا وأوروبا، والتي بات أداؤها يرتبط بشكل وثيق مع الأسواق الآسيوية وخاصة الصينية واليابانية.

وانقسم الخبراء فيما ينهم بين مؤيد لوجود ارتباط حقيقي ومعارض، وعلى الرغم من وجود نوع من المرونة في خياراتهم تجاه هذه الفكرة، إلا أن كلاً منهم أعطى تعليلاته المنطقية بنظره والتي تدعم خياره.ذهب فريق إلى معارضة هذا الاتجاه على اعتبار أن السوق الإماراتي أخذ حقه من التصحيح وأن التراجع الذي أصابه كان نتيجة عوامل التضخم والسيولة المنتفخة وعدم وجود أي مؤشرات على ترابط هذه الأسواق بناء على دراسات وبحوث استراتيجية واستثمارية امتدت على فترة 8 سنوات.

من جانب آخر ذهب فريق إلى اعتبار التأثيرات نفسية أكثر من كونها مادية، وهو الفريق الذي يقف في منطقة الوسط، مستشهداً بالاستثمارات الأجنبية التي لا تشكل ثقلاً في أسواقنا المحلية فضلاً عن عدم وجود إدراجات مباشرة مشتركة بين الشركات المحلية في الأسواق العالمية أو العكس.

في المقابل وقف فريق آخر ليذهب إلى وصف الوضع الحاصل بأنه يتعدى الوضع النفسي إلى حد أبعد نوعاً ما، إذ حاول التركيز على فكرة الأسواق الآسيوية الناشئة، والتي تعتبر أسواق الإمارات وأسواق المنطقة جزءاً من هذه المنظومة، مشيراً إلى أن المحافظ والصناديق الأجنبية استحوذت على ما نسبته الثلث من قيم وأحجام التداولات اليومية وأنه وبالتزامن مع تراجع السوق الصيني فقد عاشت الأسواق نوعاً من الهدوء الذي بدا جلياً في تراجع أحجام التداولات وانخفاض نسبة الإقبال التي كانت عليها سابقاً.

ووقف فريق آخر عند هذه المسألة مذكراً بما كان متداولاً في السابق عن ارتباط السوق الإماراتي بالسوق السعودي وهو الأمر الذي بطلت صحته بعد عدد من موجات التراجع التي ألمّت بالسوق السعودي في حين كان السوق الإماراتي يعيش مرحلة من الانتعاش.

ارتباط ضعيف جداً

اعتبر زياد الدباس المستشار في بنك أبوظبي الوطني، أن الارتباط بين أسواق المال المحلية والأسواق الآسيوية ضعيف جداً تبعاً لعدة أسباب أفردها في قوله: «لا يوجد مستثمرون أجانب أو محافظ استثمارية ضخمة داخل السوق الإماراتي، وعند هبوط السوق الصيني لم يكن لأسواقنا أو الأسواق الخليجية أي رد فعل عكسي على الإطلاق، ولكن يمكننا القول انه كان معنوياً إلى حد ما».

وأشار الدباس، إلى أنه لا يوجد حتى اللحظة أي إدراجات مشتركة بين أسواقنا والأسواق العالمية كما هو الحال مع الشركات العالمية المدرجة في أسواق متنوعة وموزعة على مستوى العالم، في المقابل قسّم الدباس نوعية المخاطر التي من شأنها اللحاق بأسواقنا المحلية جراء التصحيح القوي الذي لحق بالسوق الصيني، مشيراً إلى وجود مخاطر مباشرة وهي بعيدة كل البعد، ومخاطر غير مباشرة تتمثل في الآثار النفسية، الناتجة عن ذلك، ولكنه نوه إلى أن الدخول الأجنبي المؤسسي بدء متأخراً .

وهذه الاستثمارات جاءت لتستهدف السوق على الأمد البعيد وهي ليست بتلك الأموال المضاربة والسريعة، مدللاً على أن التراجع الذي طرأ على الأسهم القيادية مثل سهم شركة إعمار العقارية كان غير منطقي، وأسبابه داخلية، كما أن جميع التوقعات تشير إلى تحسن في الأسواق للعام الحالي، وتحسن آخر في العام القادم بعد التراجع الكبير الذي أصابها، والأسواق تعيش على وقع إطلاق صناديق ناشئة كثيرة.

وأكد الدباس على أن السوق الإماراتي لا يرتبط بفكرة الفرص مع المستثمرين الأجانب، نظراً لما تحكمهم من معايير وشروط تدفعهم لدخول السوق الإماراتي والاستثمار فيه، مثل الشفافية والإفصاح وطبيعة المستثمرين اللاعبين فيه، فضلاً عن إيجاد صانع للسوق وبالتالي فإن الاستثمار الأجنبي له معايير خاصة تنظر إليها الشركات العالمية.

ارتباط حقيقي ملموس

آثر محمد علي ياسين العضو المنتدب والمدير التنفيذي في مركز الإمارات للأسهم والسندات اعتبار السوق الإماراتي جزءاً من منظومة الأسواق الآسيوية الناشئة التي باتت جزءاً لا يتجزأ من تكوين الأسواق والأهداف الاستثمارية للمحافظ والصناديق الأجنبية.وأكد ياسين في استعراض لطبيعة ونوعية الاستثمارات الأجنبية التي دخلت أسواقنا المحلية على أن ارتباطنا بها ليس نفسياً وإنما هو محكوم ضمن قواعد وترابط مادي واضح، وبرهن على ذلك في قيمة وأحجام التداولات اليومية التي باتت تشكل المحافظ الأجنبية منها ما نسبته الثلث من تداولات السوق .

وعلى اعتبار أن هذا الثلث يعود إلى عمليات شراء، يقول ياسين «لاحظنا خلال الأيام العشرة الماضية ضعفاً كبيراً في أحجام الطلبات على الأسهم وهو ما جاء بالتزامن مع مرحلة التراجع التي خاضها السوق الصيني، لذا فإنني أرى انه ارتباط أكبر من نفسي ولكن الأهم هو بألا نعمم الفكرة على السوق الإماراتي كوحدة واحدة، فهناك أسهم قيادية تعتبر الأكثر جاذبية بالنسبة لهذه المحافظ، وليس بالضرورة أن يكون التأثير بالانخفاض ولكن يمكننا اعتبار التراجع في أحجام التداول تأثراً في نفس السياق».

ولفت ياسين الانتباه إلى قضية أخرى تكمن في لجوء عدد من المحافظ الأجنبية للاستثمار في بعض الأسهم الإماراتية المهمة التي تشكل فرصة استثمارية مغرية من خلال محافظ استثمارية إماراتية ليتمكنوا من الشراء والاستثمار فيها، وبناء عليه فإن هذه الخطوات بتأثرها ستؤثر في أحجام العروض والطلبات.

ولكنه أردف قائلاً، «إن حدوث التراجع في السوق الصيني واستمراره على المدى البعيد وتحرك السوق الإماراتي بشكل عكسي في المستقبل قد يؤدي إلى عمليات دخول استثمارية أجنبية في السوق الإماراتي والعودة له بعد تأثره بالصين بناء على كونه جزءاً من منظومة الأسواق الآسيوية الناشئة ولكن حجم الدخول المتوقع لن يكون كبيراً نظراً للشروط التي تتبعها هذه المحافظ والمعادلات الأساسية التي تستخدمها في اختيار الأسواق المالية وهو ما لن يضمن استمرار ضخ هذه الأموال إلى ما لا نهاية».

تشابه مع حالة السعودية

ناصر النابلسي رئيس مجلس إدارة شركة المال كابيتال، نفى أن يكون هناك أي ارتباط بين السوق الإماراتي والسوق المحلي، بل إنه نظر إلى الأمر من منظور آخر بين فيه أن السوق الإماراتي يتمتع بمستويات مضاعفات ربحية وصلت إلى 12 مرة في حين ان السوق الصيني سجل قبل التصحيح مستوى 35 مرة.

واستذكر النابلسي حالة الارتباط التي كان يدعيها المستثمرون والبعض في السابق مع السوق السعودي عندما كانت الإدعاءات تدور حول ارتباطهما، وهو الأمر الذي ثبت عكسه في عدد من الحالات التي شهدت ارتفاعاً للسوق السعودي مقابل تراجع للسوق الإماراتي.ونوه النابلسي، إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار أن هيكلة السوق المالي الإماراتي بحاجة لإعادة ترتيب بنيتها التحتية لتأتي بنوع من التشجيع الأجنبي على الدخول فيه.

لا ارتباط على الإطلاق

هيثم عرابي مدير مجموعة الأصول في شعاع كابيتال نفى وبشدة ان تكون أسواق المال المحلية مرتبطة بالسوق الإماراتي مشيراً إلى ثلاثة أسباب مدروسة جاءت تبعاً لعدد من الأبحاث، مشيراً إلى أن السبب الأول يأتي تبعاً للدراسات الممتدة في فترة زمنية انحصرت بين الأعوام 1999 و2006 بناء على عملية حسابية علمية والتي بينت رقما ظهر بالمقارنة بين مؤشر شعاع ومؤشر الأسواق الناشئة ومؤشر فوتسي لتبين عدم وجود أي ارتباط بينها على الإطلاق سواء كان عكسياً أو موازياً، إلا في حدث دولي واحد كان مرتبطاً بأحداث 11 سبتمبر التي أثرت سلباً على جميع الأسواق.

أما السبب الثاني في رأي عرابي فيكمن في أن الأسواق العربية حصلت على حصتها من التصحيح في الأعوام الماضية، مشيراً إلى السوق القطري الذي بدأ تصحيحه مبكراً في أبريل 2005، والإمارات التي بدأته فعلياً في نوفمبر 2006، والسوق السعودي في العام 2006، وأسباب التصحيح جميعها كانت تتبع للتضخم وهو ما فسرته شعاع في أكثر من موقف بناء على مستويات السيولة التي أحدثت نوعاً من الانتفاخ في الأسهم والتراجعات الحالية لا مبرر للنظر إليها على أنها مرتبطة بالسوق الصيني، نظراً للمكررات الربحية التي تمتلكها أسواق المنطقة في متوسط 10 ـ 11 مرة، في حين يأتي المتوسط الآسيوي في حدود 16 ـ 17 مرة.

أما السبب الثالث برأي عرابي فيكمن في ضعف وضآلة الاستثمار الأجنبي بغض النظر عن الدخول الملموس الذي لاحظناه خلال الأشهر الأربعة والخمسة الماضية الذي دخول السوق للاستثمار على المدى البعيد.إلا أن عرابي لم يخف أن الأسواق ستشهد نوعاً من الانتعاش وهي على موعد مع فرصة قوية، وخاصة الأسواق الإماراتية والخليجية على وجه الخصوص، التي تشهد ارتفاعاً في معدلات الاستفسار والبحث فيها تحضيراً للدخول فيها في المرحلة القادمة بناء على معطيات الاستقرار المتوقع في العام الحالي والتحسن في العام المقبل.

دبي ـ سمير حماد