استطاعت التقنية الحديثة في إنتاج البترول خلال العقد الماضي، رفع إنتاج حقول البترول التي أوشكت على النضوب وفي الوقت نفسه جعل ارتفاع أسعار البترول هذه التقنيات اقتصادية بالنسبة للشركات للبحث عن مواد بترولية كان من الصعب الوصول إليها من قبل.

فقد بدأت شركة تشيفرون ضخ بخار عالي الضغط في بئر كيريد ريفر الذي اكتشف عام 1899، فزاد إنتاجه الآن إلى 85 ألف برميل يومياً مقابل 10 آلاف برميل يومياً في الستينات.وطبقت الشركة نفس التقنية في اندونيسيا فرفعت إنتاج حقل دوري الذي اكتشف عام 1941 إلى أكثر من 200 ألف برميل يومياً مقابل 65 ألف برميل في منتصف الثمانينات.

وتتوقع إكسون موبيل أن تضاعف الإنتاج في حقل ميترفي تكساس الذي اكتشف في الثلاثينات وتستخدم إكسون التصوير ثلاثي الأبعاد للطبقات تحت الأرضية من البئر وحقن الغاز من أجل دفع البترول منه.وتراجعت توقعات نضوب البترول في أماكن من العالم أمام تبنؤات بأن البترول الذي لم يكتشف بعد أكثر مما كان متوقعاً.

وقدرت هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية في دراسة نشرت عام 2000 ان الموارد البترولية التقليدية التي يمكن استخراجها تبلغ 3 ,3 تريليونات برميل على مستوى العالم، ثم إنتاج ثلثها بالفعل. وقدرت دراسة أحدث عن كمبريدج لأبحاث البترول ان إجمالي الموارد البترولية المتاحة تبلغ 8 ,4 تريليونات برميل.

ويعكس هذا التقدير الأعلى تأثير التقنيات الحديثة في استخراج البترول ـ وتقول دراسة كمبريدج ان هذا الرقم قد يرتفع أيضاً.وقال درانييل برجين رئيس كمبريدج لأبحاث الطاقة انها المرة الخامسة التي يعتقد الناس فيها أن موارد البترول سوف تنضب، وفي كل مرة يثبت العكس، حتى أنه في إحدى المرات تراجع سعر الدولار إلى 10 دولارات للبرميل بدلاً من مئة.

ولايزال هناك قلة يعتقدون أن إنتاج البترول بلغ ذروته، لكن هذه النظرية تنزوي. وبالنسبة للشركات البترولية فإن أصوات المدافعين عن البيئة تمثل نفس التهديد.وقد تصبح التوقعات المتزايدة لموارد البترول القابلة للاستغلال قضية سياسية جدلية على عدة جبهات وبطريقة غير متوقعة.

وقد تجد شركات البترول من يعارضون التفكير في فتح الأسكا ومناطق أخرى للتنقيب عن البترول بسبب التأكيدات بأن المواد المتاحة تكفي الطلب حالياً.وقد تجد منظمة الدول المصدرة للبترول (الأوبك) التي ترى سعر 50 دولاراً للبرميل مناسباً ـ أن الإنتاج أكثر من الطلب في السنوات المقبلة.

وتسيطر الأوبك على 50% من سوق البترول في السنوات المقبلة، مقابل 35% حالياً، وذلك عندما يتراجع الإنتاج الغربي من البترول.ويقول كثير من خبراء البترول ان أصحاب نظرية بلوغ الإنتاج ذروته لا يأخذون في الاعتبار التقنيات الجديدة وأسعار السوق ـ التي تجعل التنقيب عن موارد جديدة في حدود المقدرة المالية للشركات ومع تزايد قدرة التقنيات الحديثة على رفع إنتاج آبار البترول القديمة، يزداد الجدل حول موعد نضوب الموارد البترولية العالمية.

وعموماً تستطيع شركات البترول إنتاج برميل واحد من كل ثلاثة براميل تعثر عليها، وغالباً ما لا تستطيع إنتاج البرميلين الآخرين لصعوبة استخراجهما أو ارتفاع تكلفة هذا الإنتاج. ويقول خبراء الطاقة ان البحث عن الموارد المهملة يمثل فرصة هائلة.

ويقول لورانس غولدشتاين محلل الطاقة في مؤسسة أبحاث سياسيات الطاقة من المثير للسخرية ان غالبية البترول الذي ستجده هو من البترول الذي اكتشفناه من قبل، والشيء الذي كان ينقصنا هو التقنية وعتبة السعر التي تؤدي إلى ثورة في استخراج هذا البترول.وقال نانسين ساليري رئيس إدارة الموارد في أرامكو السعودية ان التقنية الحديثة تعطي خبراء الجيولوجيا صورة أفضل لحقول البترول وبرامج التطوير والقدرة على حفر آبار أفقية يمكن أن تعزز الاحتياطيات الدولية.

وأضاف ساليري ان إجمالي الاحتياطيات السعودية بلغ ثلاثة أضعاف ما أعلنته رسمياً وهو 260 مليار برميل، أو نحو ربع الاحتياطي العالمي المؤكد. وقدر ان الاحتياطي السعودي يبلغ 716 مليار برميل بما في ذلك البترول الذي تم إنتاجه من قبل والاحتياطيات غير المؤكدة.

وأضاف ساليري انه لن يندهش إذا بلغت الاحتياطيات السعودية مليار برميل، بفضل التقنيات المتقدمة وحتى إذا كانت تقديرات الاحتياطي السعودي من المستحيل تأكيدها، فالشركات تبحث دائماً عن سبل جديدة لاستخراج البترول من باطن الأرض.

ويتم ضخ ملايين الجالونات من البخار في حقل كيرن ريفر لإذابة البترول الذي تبلغ كثافته ولزوجته كثافة العسل الأسود، ثم يتم سحب البخار من الخزانات الأرضية ويضخ في نحو 8500 بئر منتشرة في الحقل الذي يغطي مساحة 20 ميلاً مربعاً.وتوقع المهندسون في البداية استخراج 10% فقط من البترول في الحقل، لكن تشيفرون تعتقد الآن أنها تستطيع استخراج 80% من بترول الحقل، أي أكثر من ضعف النسبة في المتوسط في هذه الصناعة.

وتصل نسبة ما يمكن استخراجه من الحقول البترولية في المتوسط 35% من إجمالي محتويات الحقول. وينتج كل حقل في كيرن ريفر 10 براميل يومياً بتكلفة 16 دولارا لكل برميل، مقابل دولار أو دولارين فقط تكلفة إنتاج البرميل في منطقة الخليج العربي، وتأمل تشيفرون تطبيق هذه التقنية في حقول البترول الثقيل في أنحاء العالم. وتنوي أيضاً تطبيق برنامج ريادي لاختبار هذه التقنية بين السعودية والكويت مثلاً.

وتقوم الشركات بإتقان وتحسين وسائل الإنتاج وتضخ كل أنواع الغازات والسوائل في حقول البترول، بما في ذلك المياه والصابون والغاز الطبيعي وثاني أكسيد الكربون وحتى كبريتيت الهيدروجين.ويقول الخبراء إن هناك نحو تريليون برميل من البترول الثقيل في الرمال السوداء والرواسب الطفيلية التي توجد في أماكن مثل كندا وفنزويلا وأميركا، يمكن تحويلها إلى وقود سائل بوسائل مثل ضخ البخار.

وقال برجين إن هذه صناعة تمر بدورات وحالياً تتميز هذه الدورة بارتقاء التقنية والابتكار وارتفاع الاستثمارات.وتتسابق الشركات العالمية حالياً لرفع الإمدادات للحاق بمعدل الاستهلاك السريع. وبلغ استهلاك العالم من البترول 31 مليار برميل العام الماضي والمتوقع ارتفاع الطلب بنسبة 40% بحلول 2030 ليصل إلى 43 مليار برميل وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة، بسبب ارتفاع السكان خاصة في آسيا والدول النامية.

وقال جيف هاتلين المهندس في شركة تشيفرون إن المهندسين كانوا يعتقدون في عام 1978 عندما التحق بالشركة أنهم سيتركون حقل كيرن ريفر بعد 15 سنة من استغلاله، لكنهم يعتقدون الآن أن هناك موارد لا حدود لها في الحقل، ولذلك فإن ذروة الإنتاج هدف متغير، والبترول دائماً يتأثر بالسعر والتقنية الجديدة.

ترجمة: أشرف رفيق