اختتم الخميس الماضي مؤتمر أسواق الأوراق المالية والبورصات فعالياته، حيث ناقش المشاركون في الجلسات الختامية أنظمة الرقابة على أسواق المال، وقدموا تجارب ونماذج عملية لأسواق المال، بالإضافة إلى حلقة نقاش لنتائج الأبحاث والحوارات التي جرت خلال أيام المؤتمر، وأعقب ذلك إعلان التوصيات والبيان الختامي التي تركزت على ضرورة توفر تشريعات فقهية تنظم عمل أسواق المال وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية بإصدار أحكام خاصة بذلك.

وفي ما يلي مقتطفات من بحث الدكتور شوقي أحمد دنيا أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر وجاء تحت عنوان «البورصة ـ حلم وكابوس» حيث قال فيه: إذا كان للبورصة وجهها المشرق المليح فلا شك أن لها وجهاً عبوساً مقطباً. والأمر في النهاية رهين مجموعة من الشروط والمتطلبات، إذا ما توفرت، بدا الوجه الأبيض، وإلا بدا الوجه الأسود.

وقد عرضنا في المبحث السابق لهذه الشروط والعناصر عرضاً كلياً إجمالياً. و هنا نود الإطلالة على واقعنا لرؤية مدى توفر هذه المتطلبات، ومن ثم مدى بروز وظهور المثالب والمضار، الناجمة عن عدم توفرها. وإجمالاً يمكن القول إن بورصاتنا الناشئة تفتقد الكثير من المتطلبات المهمة لتقوم بمهامها بكفاءة، سواء في ذلك ما يتعلق بعملاء البورصة أو بجهازها أو بالبيئة المحيطة، الاقتصادية والسياسية وغيرها.

وقد انعكس ذلك سلباً على أداء الكثير من هذه البورصات، وانحرافها عن تحقيق الكثير من أهدافها، بل انقضاضها عليها. وإذا كنا نتكلم عن السلبيات وأوجه القصور فإن ذلك لا يعني أن الكوب أصبح فارغاً فلاشك أن هناك الكثير من الإيجابيات، لكننا نرجو المزيد.

من الواضح أن الكثير من عملاء البورصة ليسوا على الدرجة المطلوبة من الوعي الجيد بقواعد التعامل الصحيح في البورصة. وقد شهدنا في أيامنا هذه الكثير من الأفراد العاديين والأميين يدخلون البورصة لمجرد سماعهم لما هنالك من فرص واسعة لجني الأرباح الكثيرة والسريعة.

وقد قام الكثير منهم بتسييل بعض ما لديه من أصول وبإعادة توجيه مدخراته، بل إن بعضهم عمل جاهداً على الاقتراض من البنوك وغيرها ليعمل في البورصة. والمشكلة هنا تكمن في عدم توفر الوعي لدى الكثير من هؤلاء. وقد نجم عن ذلك ضياع الكثير من مدخراتهم، وإشاعة الفوضى والاختلال في البورصة.

ومن الطرائف التي تحكى في ذلك تاريخيا أنه قبل حدوث الكساد العالمي الشهير عام 1929م بعدة أيام كان أحد السماسرة يلمع حذاءه فأخبره ماسح الأحذية أنه اشترى أسهما في بورصة نيويورك. فاندهش السمسار وسأله من أين جئت بالمال؟ فقال: اقترضته من بنك مانهاتن.

فقال له: ومن دلك علي هذا؟ فقال ماسح الأحذية ضاحكاً: سيدي كل زملائي من ماسحي الأحذية هنا فعلوا نفس الشيء. وعندها ذهب السمسار فوراً وسحب أمواله من البورصة قبل وقوع الانهيار بعدة أيام. إن المشكلة في ذلك أن الكثير والكثير من هؤلاء يتعاملون في البورصة بمنطق لاعب «البوكر» والبورصة تحتاج للاعبي الشطرنج. يضاف إلى ذلك فقدان البعض للجانب الأخلاقي في التعامل.

وسيطرة حافز الكسب الكبير السريع مهما كان الأسلوب ومهما كانت النتائج. وهناك الكبار ذوو الصلات بمصدري القرارات ومنشأ المعلومات. ومن ثم هناك ممارسات احتكارية وانتهازية. وهناك الكثير من الأجانب، وبرغم ما في وجودهم من فوائد لكن ذلك لا ينسينا أنهم أكثر حنكة وخبرة من جهة وأنهم مثل العصافير الطائرة، تقتنص الفرصة أو تصنعها لتخرج مسرعة مخلفة وراءها الكثير من المآسي والضحايا.

وعلى الجهة الثانية فإن جهاز البورصة في عالمنا العربي ينقصه الكثير من مقومات وعناصر الكفاءة، فهناك اختلال واضح بين نشاط سوق الإصدار ونشاط سوق التداول، ولا أدل على ذلك من تضخم حجم الصفقات والتعاملات في السوقين، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن حجم التعامل في سوق الإصدار بلغ في البورصة السعودية عام 2005م 666 ,6 مليار دولار بينما بلغ في سوق التداول 104 ,1 تريليون دولار ولم تشذ عن ذلك باقي البورصات العربية.

وهناك فلتان واسع في عمليات تسعير الورقة الواحدة، حيث تسعر في اليوم الواحد عدة تسعيرات، ووضع الشركة هو هو. ولا شك أن ذلك يمثل خللاً جوهرياً في نشاط البورصة وآثارها على الاقتصاد القومي. كذلك تفتقر البورصات العربية إلى العدد الكبير المتنوع من الأوراق المالية، وكذلك إلى بعض المنتجات والأدوات المالية الحديثة، إضافة إلى ما يشوب المؤسسات العاملة فيها من جوانب القصور الإدارية والتنظيمية. وفوق هذا وذاك افتقاد الكثير منها لنظام عقابي رادع، وللأنظمة واللوائح الصارمة.

هل الحل في إغلاق البورصة أم في إبقائها؟

يجيب الباحث في خاتمة بحثه عن السؤال الذي حمل عنوان هذه المادة: إن الحل لا في هذا ولا في ذاك، فالإغلاق غير مقبول وغير ممكن اقتصادياً في ظل شيوع الاقتصادات الحرة، اقتصادات السوق، وكذلك الإبقاء على هذا الحال ودون إجراء إصلاحات جوهرية على مختلف الأصعدة، داخل البورصة وخارجها يحمل في طياته الكثير والكثير من المخاطر والمضار الاقتصادية والاجتماعية،

وما أخبار الانهيارات المالية القديمة والحديثة والمعاصرة بغائبة عن الأذهان، ولا ما جرته من ويلات ومآس بشيء غير معلوم، وإذن فأمامنا خيار واحد هو العمل بقوة على إصلاح كل ما يمكن إصلاحه واستكمال كل ما يمكن من مقومات وعناصر البيئة المناسبة. وإلى أن يتم ذلك ستظل البورصة عامل إيجاب وعامل سلب معاً، وكلما سرنا في طريق التصحيح والإصلاح زاد المفعول الإيجابي وقل المفعول السلبي.

ومع التسليم بصعوبة وتعقيد الموضوع لكن أمر التصحيح والإصلاح ليس في عداد المستحيلات متى ما صحت إرادة التطوير والإصلاح، وطالما استخدمت منهجية ذات رؤية واضحة. إن كل ما نبغيه أن نمكن البورصة من أدائها لمهامها الضرورية لخدمة المجتمع بشكل مرض، وهو هدف يستحق ما يبذل فيه من جهد وعناء، ولا ننسى في النهاية أن قيام تعاون قوي بين البورصات العربية هو متطلب ضروري لتحقيق المزيد من الاستقرار في تلك البورصات.

دبي ـ «البيان»: