يمتد التعاون الخليجي إلى كل القطاعات الاقتصادية، كما أنجز الكثير في المجالات المختلفة؛ مجال عمليات التكامل والتبادل التجاري والتعاون الجمركي وإنشاء منطقة التجارة الحرة التي أدت إلى زيادة التجارة البينية الخليجية من نحو ثلاثة مليارات دولار عام 1983 إلى ما يزيد عن عشرين مليار دولار عام 2005،

ويمتد أيضاً إلى مجال تحقيق المواطنة الاقتصادية لمواطني الدول الخليجية وفي توحيد السياسات الاقتصادية والتشريعات التجارية وربط الطرق والكباري والكهرباء وشبكات الصارف الآلي، حيث أصبح بإمكان المواطن الخليجي السحب من حسابه الجاري من أي آلة صارف آلي داخل الدول الخليجية ـ وهناك دراسات عاجلة يقوم بها مجلس التعاون الخليجي لإنشاء شبكة سكك حديد تربط الدول الأعضاء، ودراسات أخرى لإنشاء مشروع الربط المائي بين الدول الخليجية.

وإذا كان التعاون الخليجي في أغلب هذه المجالات أصبح كاملاً، فإن هناك مجالا هاما مازال قيد البحث والدراسة وهو إنشاء العملة الخليجية الموحدة التي من المفروض أن تصدر اعتباراً من عام 2010 أي بعد ثلاث سنوات ـ وبمتابعة وبحث إنشاء هذه العملة يتضح أن هناك عقبات في البرنامج الزمني لإصدارها، خاصة وقد طالبت بعض الدول بتأخير الموعد المحدد لصدورها،

لأنها مازالت تعمل على تحقيق المعايير النقدية المطلوبة: تخفيض معدلات التضخم، وتوحيد معدلات الفائدة، ومدى كفاية الاحتياطيات النقدية، بالإضافة إلى معايير التقارب المالي التي تتمثل في نسبة العجز السنوي في الموازنات الحكومية بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي وتخفيض الدين العام.

إن توحيد معايير التقارب النقدي والمالي في بعض الدول الخليجية مازال فعلاً محل بحث جاد خاصة في عُمان حيث أعلنت بعض المصادر النقدية هناك أن عُمان قد لا تنضم بحلول عام 2010 بسبب مخاوف تتعلق بمعايير التقارب المطلوبة، وخلال فبراير الماضي صرح ولي عهد البحرين أنه يشك في إمكان الوفاء بمعايير التقارب الخاصة بالتضخم والدين العام وأسعار الفائدة

وذلك بالإضافة إلى أن الدولار الأميركي وهو عملة الربط بالنسبة لكافة عملات الدول الخليجية والذي من المقترح أن يكون أيضاً عملة الربط في الوحدة النقدية المشتركة مازال يتجه إلى الانخفاض التدريجي (بلغ الانخفاض حوالي عشرة في المئة أمام اليورو في السنة الأخيرة) ومن المؤكد أن انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي يؤدي إلى خسائر كبيرة لكل الجهات الرسمية وغير الرسمية وللمواطنين الأفراد الذين يحتفظون بأرصدتهم بالدولار الأميركي.

وذكرت مجلة «ميد» في عددها الأسبوعي الصادر في منتصف فبراير الماضي أن معالي سلطان ناصر السويدي قال «إننا سنمضي معاً سنسير دائماً مع أبطأ شريك ونسمح بحل وسط»، يقصد معاليه إنشاء العملة الخليجية المشتركة، وهو مؤشر يوضح إمكان تأخير إنشاء العملة الموحدة عن موعدها المقرر، كما يؤكد في نفس الوقت أن إنشائها أصبح أمراً متفقاً عليه لتتويج التعاون الاقتصادي الخليجي.

على أن العقبة الرئيسية التي يمكن أن تقف أمام إصدار الوحدة الخليجية المشتركة وتعمل على تأخيرها هي ربط العملات المحلية بالدولار الأميركي مع عدم ثبات هذه العملة وتوالي انخفاضها التدريجي بحيث لم تعد تصلح ميزاناً للعملة الخليجية الموحدة لأنها تؤدي إلى خسائر كبيرة لكل الدول الخليجية ولكل المعاملات التي تتم بين هذه الدول والدول الأجنبية باستثناء الولايات المتحدة الأميركية، ويهمني أن أذكر العوامل التالية التي يتعين أن يكون التركيز عليها قبل إقرار أساس سليم لربط للعملة الخليجية الموحدة:

ـ استمرار انخفاض قيمة الدولار الأميركي في السنة الأخيرة حيث بلغ هذا الانخفاض ما يقرب من 35% أمام اليورو الأوروبي في السنوات الأخيرة، كما امتد هذا الانخفاض أمام العملات الرئيسية الأخرى كالين الياباني والجنيه الاسترليني وإن كان بنسبة أقل،

بينما لم تقم الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ أية خطوات قوية لمعالجة هذا الانخفاض مثلما كان يحدث في الماضي عندما كانت تقوم بإجراءات عديدة وإقرار خطوات عاجلة لمعالجة انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي كلما كان السعر يميل إلى الانخفاض، ومن بينها محاولة تحسين الميزان التجاري الأميركي ومعالجة عجز ميزان المدفوعات وزيادة سعر الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي.

ـ ليس من المتوقع أن يتحسن سعر الدولار الأميركي في الأعوام القليلة المقبلة خاصة وأنه مازال فوق قيمته الحقيقية العادلة بمقدار 4% حسب تقدير مؤسسة «ميريل لينش الدولية» المتخصصة في البحوث الاقتصادية والنقدية والتي ذكرت أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» يعتمد سياسة نقدية انكماشية تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الأميركي،

كما أن العملات التي لم ترتفع كثيراً أمام الدولار بعد انخفاضه قد تقوم برفع السعر في فترة قريبة ومن بينها الين الياباني والرنجي الصيني والبيزو المكسيكي وغيرهم من عملات الدول التي لم تقم بعد بإعادة تقييم عملاتها المحلية بالدولار الأميركي بعد انخفاض قيمته في الأسواق الدولية.

تزايدت المعاملات التجارية والمعاملات غير المنظورة مع الولايات المتحدة ومع بعض دول آسيا وأميركا الجنوبية بالدولار الأميركي في السنوات الأخيرة، خاصة وأن سداد وتحديد أسعار البترول مازال يتم بالدولار الأميركي حتى الآن، وبالتالي فإن ما تحصل عليه الدول الخليجية من حصيلة بالدولارات الأميركية كانت تقوم بسداد جزء كبير منه في واردات سلعية بالدولار الأميركي أيضاً،

غير أن الوقت الحالي يختلف في توجيه المعاملات الخارجية حيث بدأت المعاملات التجارية الخليجية تتزايد مع دول الاتحاد الأوروبي ومع دول آسيوية، وهو ما يؤدي إلى خسارة نقدية كبيرة طالما يتم الدفع بالدولارات الأميركية لدول لا تربط عملاتها بالدولار الأميركي.

ـ إن أغلب الأزمات الاقتصادية التي حدثت إقليمياً وقطرياً في الفترة الأخيرة كانت بسبب تقلبات شديدة في سعر صرف العملات المحلية، خاصة تلك التي ارتبطت بالدولار الأميركي، حيث بدأ سعر الدولار الأميركي في الانخفاض منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقد تزايد هذا الانخفاض مع زيادة الانتعاش الاقتصادي الأوروبي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الاهتمام بتقوية اقتصاداتها لكي تستطيع منافسة اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي ووقف سيل السلع الصينية،

وبالتالي لم تكن تهتم بتحسين قيمة الدولار الأميركي، وظهر هذا الفكر واضحاً في عهد الرئيس بوش الذي رأى ضرورة الوقوف ضد الغزو السلعي الصيني الذي أدى إلى عجز متزايد في الميزان التجاري الأميركي (بلغ 6,763 مليار دولار خلال عام 2006).

في ضوء الوضع الجديد الحالي لسعر صرف الدولار في الأسواق الدولية فقد قام عدد كبير من دول العالم بإلغاء ربط عملاتهم بالدولار وتحرير سعر الصرف طبقاً للعرض والطلب تمشياً مع مقتضيات النظام الرأسمالي وأصبح النظام النقدي العالمي برمته في طريقه إلى التعديل والوصول إلى طرق نقدية جديدة لتحرير أسعار الصرف

واتباع أنظمة تؤدي إلى عودة الاستقرار النقدي العالمي وعدم اعتصار جهد الدولة لصالح دول أخرى أو العكس، وبما يضمن سعر صرف عادلا لتقييم المعاملات في ميزان المدفوعات في كل دولة حسب نشاطها في الإنتاج المحلي؛ وحسب الأنشطة الاقتصادية للمقيمين فيها.

ويهمني أن أشير بهذه المناسبة إلى أن الاتحاد النقدي لا يعني تنسيق أو توحيد السياسات النقدية بين الدول الأعضاء فقط، بل ينشئ قواعد نقدية لتسهيل انسياب التجارة والخدمات البينية حتى لا تكون الدول الأعضاء مضطرة إلى السداد النقدي الفوري وبعملات حرة، وإنما يمكنها السداد بالائتمان السهل أو عن طريق مقاصة،

وإلى أن تنشأ وحدة نقدية مشتركة تُشعِر المواطنين أنهم يتعاملون داخل منطقة اقتصادية واحدة، فتزيد المعاملات التجارية ويتم التكامل الاقتصادي، وهي الفكرة التي نفذها ونجح فيها كل من اتحاد المدفوعات الأوروبي، ونظام المقاصة المتعددة الأطراف في أميركا الوسطى، واتحاد المقاصة في آسيا، ونظام الدفع والائتمان المتبادل في أميركا اللاتينية، وغرف المقاصة في غرب ووسط وشرق وجنوب أفريقيا.

إن إنشاء العملة النقدية الخليجية المشتركة في موعدها المقرر عام 2010 يتعين أن يأخذ الأولوية بين دراسات وبحوث مجلس التعاون الخليجي والبنوك المركزية الخليجية، خاصة وأن هذه العملة ستكون الدعم الفعلي لكل جوانب التعاون الخليجي، والتي يمكن أن تقود إلى إنشاء اتحاد خليجي لا يقل عن مستوى الاتحاد الأوروبي الذي توج نشاطه بإنشاء الوحدة النقدية الأوروبية «اليورو» التي أصبحت اليوم أقوى من الدولار الأميركي والين الياباني.

كاتب اقتصادي مصري

y_elmasryooo@hotmail.com