ينقسم الخبراء حول مزايا وأضرار ما يسمى جناة الضرائب العالمية أو مراكز جذب الأموال الأجنبية في أنحاء العالم أمثال جزر كايمن وليختنشتاين وفيرجن أيلاندز. وتنتشر مراكز الجذب المالي في أنحاء العالم بفعل الأنظمة الضريبية الصديقة فيها، لكن أفضلها توفر أكثر من الإعفاءات الضريبية، وهي بذلك تفيد النظام المالي العالمي.

غير أن هناك ما يسبب القلق لهيئات التنظيم المالي، وهو أن النظام المالي تحول إلى جهة حربية حديثاً مثل الوضع في كوريا الشمالية مثلاً، فالاتجاه نحو تطبيع العلاقات مع أميركا بعد تسوية المسألة النووية قد يساعد في عودة التدفق المالي إلى هذا البلد.

ومن جانب آخر وفي ظل اقتصاد العولمة قد تتدفق الأموال بحرية وتفيد بذلك الجماعات الإرهابية وما يقلق الحكومات هو أن تدفق الأموال قد يأخذ معه الضرائب التي كانت ستجنيها هذه الحكومات، ويسبب ذلك قلقاً بصفة خاصة للدول الغربية الغنية التي ترتفع أعمار سكانها ويحتاجون إلى الدعم بعد التقاعد.

وأطلقت هذه الدول مبادرات لتعزيز النظام المالي وحمايته ضد العواقب غير المحمودة للعولمة المالية ومنها الجرائم المالية والتهرب الضريبي. والفكرة هي إلزام المراكز المالية في أنحاء العالم لتبني أفضل الممارسات الممكنة تحت إشراف مصرفي، وجمع المعلومات المالية وتطبيق قواعد مكافحة غسيل الأموال.

وتقول مجلة »الإيكونومست« إن مجموعة من المراكز المالية أصبحت تحت المجهر، وتشمل مكاو وبرمولا وليختنشتاين، التي تعيش على جذب رأس المال من أنحاء العالم، وما توفره هذه الأماكن هو انخفاض أو انعدام الضرائب والاستقرار السياسي والقوانين واللوائح الصديقة للمستثمر والأهم من ذلك السرية والكتمان، وترى الدول الكبرى الغنية أن هذه المراكز المالية هل الحلقة الضعيفة في التمويل العالمي.

ويعتقد المنتقدون أن تلك المراكز المالية لاعتمادها على رأس المال الأجنبي يشجعها على غض الطرف عن الجرائم وفساد واحتيال الشركات في بلادها. وساني اباتشا من نيجيريا ومحمد سوهارتو من اندونيسيا وفرناند ماركوس من الفلبين هم أمثلة بسيطة على القادة الفاسدين الذين نهبوا بلادهم وساعدهم في ذلك سرية وكتمان هذه المراكز المالية الأجنبية فضلاً عن المراكز المالية الداخلية التي يتجاهلها منتقدو المراكز المالية العالمية.

لكن الأكثر استغلالاً للمراكز المالية هو ميزة التهرب من الضرائب التي تتيحها. وكثير من الصلاحيات القضائية الخارجية (الأجنبية) تظل على يمين القانون، وكثير من أثرياء العالم وأكبر وأشهر شركاته يستقلون هذه المراكز بشكل قانوني لتقليل مدفوعاتهم الضريبية إلى أقصى حد يأخذ موقفاً عدائياً منهم، وجناة الضرائب الشرفاء في أميركا، كما يقول كارل ليفين أميركا تخسر 70 مليار دولار سنوياً من التهرب الضريبي بسبب الأموال التي تتجه إلى جناة الضرائب الخارجية.

وتقول مجموعة شبكة العدالة الضريبية التي تكره جناة الضرائب الأجنبية ان العالم يخسر 255 مليار دولار من الضرائب سنوياً رغم أن كثيرا من الناس لا يصدقون ذلك، وهذا بسبب جنات الضرائب الخارجية. ودق تقرير حكومية كندي ناقوس الخطر عندما أشار إلى أن الاستثمارات الكندية المباشرة في جناة الضرائب الخارجية بلغت ما يعادل 75 مليار دولار، أي تضاعفت ثماني مرات من 1990 حتى 2003، ويمثل هذا الرقم خمس إجمالي الاستثمارات الكندية في الخارج.

وتزدهر الأعمال في هذه المراكز المالية العلمية أو جناة الضرائب الأجنبية ولم يعد نطاقها على أطراف الاقتصاد العالمي. وتدير هذه المراكز حالياً 7.5 تريليونات دولار من الاستثمارات إلى خمسة أضعاف الرقم من عقدين من الزمان، ويمثل هذا الرقم 8.6% من الثروة العالمية، وفق ما قاله جيفري أوينز رئيس الشؤون المالية في منظمات التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتحتل جزر كايمن في البحر الكاريبي المركز الخامس بين هذه المراكز، وتسيطر على 1.4 تريليون دولار من الأصول، وتستضيف جزر فيرجين البريطانية نحو 700 ألف شركة أجنبية. كل هذا يصب في مصلحة مراكز المال الخارجية التي سجلت نمواً بنسبة 2.8% في الفترة من 1982 حتى 2003 في المتوسط، أي ضعف متوسط النمو العالمي البالغ 1.2%، وفق دراسة أجراها جيمس هاينز من جامعة ميتشيجان.

والمراكز المالية الخارجية المستقلة سجلت نمواً أسرع مثلاً برمودا هي أغنى بلد في العالم، ويصل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي فيها إلى 70 ألف دولار، مقابل 43500 دولار في أميركا، والمواطنون في كايمن وجريسي وليختنشتاين أكثر ثراء من مواطني أوروبا وكندا وحتى اليابان. وتشجع ذلك الدول الأخرى ذات الأسواق الداخلية الصغيرة على إقامة مراكز مالية بها لجذب الأموال الأجنبية خاصة دبي والكويت والسعودية وشانغهاي وحتى الخرطوم.

العولمة تزيد فرص نمو الأعمال

زادت العولمة من فرص تنظيم الأعمال ومع تزايد عالمية الشركات متعددة الجنسية وجدت أنه من الأسهل أن تنقل نشاطها وأرباحها عبر الحدود إلى المراكز المالية الخارجية وانتشرت القصور في القارات البعيدة وانتشرت الاستثمارات حول العالم، وتستطيع هذه الشركات إدارة الثروة في أي مكان في العالم. وسهل ذلك أيضا التحرير المالي وإزالة القيود على انتقال رأس المال والأصول.

وساهم الانترنت أيضا في ذلك حيث يسمح بنقل الأموال بسرعة في أنحاء العالم بتكاليف زهيدة وفي سرية تامة. وساهم نمو الخدمات المالية العالمية في سهولة نقل الأموال عبر الحدود، فالخدمات المالية في الأساس هي فن إدارة البيانات والمعلومات. ويقول أوزر رئيس العمليات في بنك كريدي سويس إن أثر العولمة يظهر بقوة في الخدمات المالية أكثر من أي مجال آخر،

لأن لغة الحاسوب تستطيع نقل ومعالجة وإعادة هيكلة البيانات فضلا عن أداء نشاط البيع والإقراض والشراء في أي مكان في العالم عبر الانترنت، ويمكن حجز الأرباح في أي مكان أيضا، ويزداد معدل تحويلها إلى المراكز المالية الأجنبية أو جناة الضرائب العالمية.

والأمر الواضح هو أن العولمة غيرت قواعد اللعبة وأفرزت بعض فوائد للدول النامية، لكنها وفرت الفرصة أيضا للتهرب الضريبي، مما يفسر قلق هذه الدول من جناة الضرائب الخارجية. ورغم كل هذه المتاعب، فإن المراكز المالية العالمية تصب في مصلحة النظام المالي العالمي في النهاية إذا أديرت بشكل جيد لأنها تشجع الاستثمار بلا قيود، برغم كل الآفات والآثار الجانبية الأخرى.

ترجمة ــ أشرف رفيق: