تسلطت الأضواء العام الماضي، على الزحف الاقتصادي الكاسح الذي تشنه الصين في غير مكان من العالم، والأخص منها إفريقيا، حيث ضمنت في يد نصيباً من الطاقة ومدت بالأخرى ديوناً رخيصة للآخرين، ولقد راحت في حذر، تبني جسوراً جديدة من التعاون في الشرق الأوسط، ضامنة لنفسها مكاناً في منطقة استراتيجية تختزن ثلثي احتياطيات النفط العالمية المؤكدة.

غير أن التقدم في الشرق الأوسط يخلق جبهة أخرى في منافسة الصين العالمية المتنامية مع واشنطن، وبلدان أوروبية أخرى وفي هذا السياق، قال فلاينت ليفريت، مدير جيوبولتاس أونو انيرجي انيشياتف في نيو أميركا فاوند يشن في واشنطن إن استراتيجية الصين في الشرق الأوسط تضعنا في منافسة على النفوذ غير أن الجواب برأيه ليس في مقاربة تعتمد على المواجهة حول مصالح الطاقة،

وإنما في تطوير مزيد من العلاقات التعاونية مع الصينيين حول أمن الطاقة وفي الوقت الذي تتمثل فيه المصالح الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط بصورة رئيسية في النفط، فإن هناك مصالح تجارية أخرى ممثلة أيضاً فتجارة الصين في المنطقة تزدهر، ليس في مجال الطاقة فحسب،

ووفقاً لشركة مكنزي استشارية الإدارة فإن التجارة بين آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست، السعودية والكويت وقطر والإمارات وعمان والبحرين زادت ثلاثة أمثالها بين عامي 1995 و2005.كما ازدادت العلاقات التجارية الثنائية بين الصين والسعودية، كبرى اقتصادات المنطقة بحدود 30 في المئة ما بين 2005 - 2006 وحدها.

وليس ثمة دلائل على توقف هذا النشاط أو فتوره، إذ من المتوقع أن ترتفع التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود بين منظومة مجلس التعاون، وسائر أنحاء آسيا من 15 مليار دولار حالياً إلى 300 مليار دولار عام 2020.كما أن الروابط الثقافية تزداد وثوقاً، بإنشاء المنتدى الصيني - العربي، وإطلاق الحوار بين الصين والجامعة العربية ووفقاً للتقارير الصحافية الصينية، فإن الحكومة قدمت منحاً لطلبة في أكثر من 10 بلدان شرق أوسطية.

وتخطط لتدريب مئات المهنيين العرب في ميادين شتى كالزراعة والكيمياء الحيوية، ومن جانب آخر، دعا جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية، الحكومات الغربية للاعتراف بأن الصين، تشكل قوة متنامية في الشرق الأوسط.

وطالب بضرورة الجلوس معها على طاولة المفاوضات حول الأمن الإقليمي، ومضى قائلاً إنه ومع اكتساب الصين الخبرة في الشرق الأوسط، وإيجاد نفسها تزداد اعتماداً على المنطقة من أجل الطاقة، فإنها ستبحث في كيفية الاستخدام الأمثل لأدواتها العسكرية والدبلوماسية لضمان مصالحها.

وكانت وزارة الطاقة الأميركية حذرت في تقرير لها عام 2006 بعنوان نظرة شاملة على الطاقة الدولية، من أن اعتماد الصين المتزايد على إمدادات النفط الشرق أوسطية، له تبعات جيوسياسية بين المنطقتين خاصة وللعالم المستهلك للنفط على وجه العموم.

واستناداً على إحصائيات الوزارة فإن الشرق الأوسط يمثل نحو 46 في المئة من إمدادات الصين، وواردات البترول يتوقع أن تزداد إلى أربعة أضعافها من 2003 إلى 2030. وستكون الحصة الكبرى من الزيادة من إمدادات الخليج. وعلى الصعيد ذاته قال ليفريت إن استراتيجية الصين في شبه الصحراء الإفريقية الكبرى، مصممة إلى حد ما، لتقليص اعتمادها على النفط القادم من الشرق الأوسط، غير أن أكثر تقييمات التنوع تفاؤلاً،

تشير إلى أنها ستواصل الحصول على نصف نفطها من الشرق الأوسط ولذلك فإن الصين تعمق علاقاتها الاقتصادية مع منتجي الخليج النفطيين، لتتبوأ مكانة ممتازة، وتكتسب صفة العميل الأولى بالرعاية ولقد منحت أزمة البرنامج النووي الإيراني، الصين، بوابة دخول إلى قطاع النفط والغاز في ذلك البلد

وهو مثال على إعطاء الصين الأولوية لمصالحها البترولية. وعلى خلفية تدهور العلاقات الأوروبية الإيرانية، وتصاعد حدة النزاع حول الملف النووي، فإن طهران حولت تركيزها الدبلوماسي نحو الشرق، آملة في توظيف الصفقات التجارية في دعم سياسي في مجلس الأمن الدولي.

ويقال إن شركة النفط الصيني الوطنية البرية، الشركة الأم ل«سي ان أو أو سي» المدرجة في كل من نيويورك وهونغ كونغ تجري محادثات حول عقود لتظوير حقل «بارس الشمالي» للغاز الطبيعي في إيران. كما تجري شركتان صينيتان حكوميتان للطاقة مفاوضات مع طهران. وتبلغ قيمة الصفقات مجتمعة عشرات المليارات من الدولارات.

كما تعمل شركات صينية عدة في مشاريع للبنى التحتية في إيران المتعطشة للاستثمارات، بما فيها مترو طهران، كما سعت الصين لإحياء صفقات التنقيب التي سبق الاتفاق عليها مع النظام السابق في العراق. ولكنها في الانتظار، حيث ما زالت قوانين الكربوهيدرات بحاجة للإقرار، فإنها تركز على إيران والسعودية، أكبر موردين للنفط في الشرق الأوسط.

وتضم أكبر الصفقات الصينية ـ السعودية مشروعاً مشتركاً عام 2005، بين آرامكو الحكومية وإكسون موبيل الأميركية وسينويك الصينية، لتطوير مجمع متكامل للإثلين وتكرير النفط في منطقة فوجيان.كما دخلت سينويك في شراكة مع أرامكو، لإنتاج الغاز غير المصاحب، والمواد المكثفة في الربع الخالي.

وفي السياق ذاته، قال تانغ زيتشاو، الباحث في معهد العلاقات الدولية المعاصرة في بكين، إنه في ضوء تسجيل الصين لنمو زاد على 30% مع معظم بلدان المنطقة، خلال السنوات القليلة الماضية، فإن العلاقات الاقتصادية (مع الخليج) تعززت بصورة مطردة في الوقت الذي اكتسبت فيه الروابط السياسية أهمية أكثر.

وتابع زيتشاو ان نموذج التطور الصيني، اكتسب شهرة في الشرق الأوسط، وان استثمارات بلاده ساهمت في تحقيق درجة اعتماد المنطقة على الولايات المتحدة.وخلال الأشهر الستة الماضية، دشنت الصين مباحثات مع مصر حول استثمار مشترك قيمته 5,2 مليار دولار، واستناداً إلى وزارة التجارة المصرية والاستثمار، فإن الجانبين اتفقا على تعزيز التجارة من ملياري دولار حالياً إلى أكثر من 5 مليارات دولار.

ومن جانب آخر، فإن ازدياد الروابط الاقتصادية مع الخليج، أضافت زخماً إلى استراتيجية الصين الشرق أوسطية، فقد أطلقت دول الخليج مشاريع بنى تحتية ومبادرات في الزراعة والتعليم والصحة، وتكنولوجيا المعلومات موفرة فرصاً للمجموعات الصينية.وبحسب تقديرات «شو» من فيرست إيسترن، فإن في السعودية خلال السنوات العشر المقبلة مشاريع في البنى التحتية بقيمة تريليون دولار.

مشيراً إلى أن قادة الشرق الأوسط يدركون أن شركات البنى التحتية الطبيعية على قدر المسؤولية.وعلاوة على ذلك، فإن الأذرع الاستثمارية للدول الخليجية، راحت تتطلع للاستثمار في آسيا، فلقد دخلت الأموال العربية الإصدارات الصينية العامة، حيث اشترت هيئة الاستثمار الكويتية 720 مليون سهم في البنك الصناعي التجاري العام الماضي، وتقدر مكنزي أن ما قيمته 250 مليار دولار من الخليج، سيكون متاحا للاستثمار في آسيا خلال السنوات الخمس الماضية،

بحيث ستكون الصين المتلقي الأكبر، غير أن المستثمرين العرب يواجهون عوائق في اختراق الجبهة الصينية، وفي هذا الصدد يقول مطلق حمد المريشد، كبير المسؤولين الحاليين في سابك، عملاقة البتروكيماويات السعودية إنه كان يبحث عن ترخيص لمصنع كيماوي في الصين سنوات عدة، لكن من دون جدوى. مضيفاً أنه كان يطالب بتقديم تقرير بيئي وراء آخر، ويدخلون في مفاوضات مضنية، وان الأمر يختلف عما سواه في بلدان أخرى.

ومن جانبه قال علي الشهابي رئيس رسملة للاستثمارات التي تتخذ من دبي مقراً لها، ان التحول باتجاه آسيا ما زال في الوقت الراهن في مرحلة «النوايا»، دون أن يبلغ مرحلة «الصفقات» ومع ذلك، فمع توسع روابط الصين مع الشرق الأوسط، فكذلك نفوذها السياسي، الذي طالما هيمنت عليه الولايات المتحدة. وهذا ما يدفع الولايات المتحدة للتفكير ملياً.

ترجمة: وائل الخطيب