في فيلميه الأخيرين «رايات ابائنا» ورسائل من ايوو جيما«، يمضي كلينت ايستوود بنتاجه السينمائي، الممتع بصريا، وبفحواه ومقاصده العظيمة. ويختار الحرب منصة يقفز منها إلى بحيرة السلام، الداخلي، الذي تحتاجه الإنسانية جمعاء. ويحتاجه الإنسان الفرد. في زمن أصبح فيه اختراع الأعداء، وأشكال الموت والقتل، سمة ملازمة لسياسات يتحلى به القوي للاستئثار أكثر. والضعيف يستخدمها دفاعا عن ضعفه وعجزه. وتحوله قاتلا وإرهابيا، بمواجهة «بطل» لا يدرك من البطولة إلا اسمها على الأرجح.
الأفلام التي تناولت الحرب في تاريخ السينما كثيرة. وقلة منها أدركت مواقع ابعد من ضجيج قعقعة السيوف أو أزيز الرصاص. كما فعل فرانسيس فورد كوبولا و في «القيامة الآن»، واوليفر ستون في «الفصيلة». حيث الإدانة واضحة في الفيلمين للحرب التي تنهش القيم الإنسانية العميقة، وتفسخ علاقة الذات بالذات، وبالآخر. بوصفه مرآة للذات في الأصل. لكن ايستوود لا يكتفي بما قدمه كوبولا وستون. فيذهب ابعد وأكثر. يكشف عن الكذب في صناعة البطولة والترويج للحرب في «رايات ابائنا»، وعن وجهة نظر «العدو» في «رسائل من ايوو جيما».
الفيلمان يبدوان سلسلة ولكنهما ليسا كذلك. صحيح أنهما يتحدثان عن معركة وقعت فوق جزيرة ايوو جيما، بين الجيشين الأميركي والياباني خلال الحرب العالمية الثانية. لكن لكل فيلم قصته الخاصة والأحرى معانيه المختلفة. ولو كان الزمان والمكان يجمعان ما بين العملين. بالطبع المعنى الجوهري العميق يصل بين هذا وذاك.
كان يمكنهما ان يكونا شريطا واحدا طويلا، يعرض متقابلين، (أميركي)، (ياباني)، لكن ايستوود اختار في كل شريط أحادية حكائية لها تشعبات ومستقلة تماما في آن. وفي الاثنين تخريب الصورة المؤلفة رسميا من الولايات المتحدة الأميركية للشعب الأميركي في الداخل، وللشعوب كافة، حول ما حصل في تلك الواقعة، في تصنيع الصورة «النظيفة» في بعدها التاريخي. الأمر الذي يدرك أهميته عادة المنتصر في الحرب. ويعرفه كلينت ايستوود تماما، فيقوم بتخريبه، حين يعيد للصورة أوساخها الراسخة الملازمة.
الإخراج يبدأ من اسم الفيلم
يبدأ كلينت ايستوود العمل في شرائطه إجمالا من اسم الفيلم، الذي يختاره بعناية فائقة وجدية. تدل على أهمية عنوان الفيلم الحامل للخلاصة. وعناوين ايستوود لطالما كانت ممتلئة الدلالة للمشاهد العادي وللناقد المحترف على حد سواء. ويمكن مراجعة هذا بسهولة. فالإخراج يبدأ مع هذا السينمائي العتيق من اسم الفيلم، الذي يتيح له الإمساك بتلابيب النص، بمستوييه السردي والبصري.
«رايات آبائنا»، عن صورة ستة جنود أميركيين يرفعون علم بلادهم على جبل في جزيرة ايوو جيما. صورة تظهر تعاونا وتكاتفا بين «أخوة السلاح». وتتضمن بطولة ومجدا. وتحولت إلى ايقونة. والى تمثال منصوب حتى اللحظة في كبرى الساحات العامة في العاصمة الأميركية واشنطن. لكنها صورة ملفقة ومخادعة. مصنوعة بتواطؤ بين الإعلام والدولة. صحفي لوكالة أنباء يلتقطها. ولا يلتفت سوى لشهرته من خلفها.
وبالطبع السياسي يستفيد منها ويروجها لدعم حربه وأفكاره. متلقي الصورة يركن إلى بطولة يعشقها، أمام فراغ روحي عميق في حياته. كل الشعوب تاريخيا تبحث عن أبطال تمجدهم على الدوام. لكن الشعب الأميركي يحتاج إلى اختراع أبطاله، إذا لم يجد أبطالا حقيقيين. ولا يهتم ان كانت البطولة تلك كاذبة. فهي جرعة، تغذي ادمانا في مجتمع بلا تاريخ وبدوي «حداثوي» (كوسموبوليتيكي). احد أبطال الصورة يعاني من مشاركته في هذه الخديعة. توقظه إنسانيته متأخرا. يدمن على الخمر. ويموت على هامش الصورة، لوحده ومنسيا.
يبدو أكسيد الكربون بعد ان كان أوكسجين في آلة سياسية مضغته مع غيره، ورمت بهم جانبا، كما يحصل في العادة في أميركا وسواها. هكذا تصير الصورة أهم من مؤلفها. أقوى منه.لا يستطيع نكرانها. لكن عنوان الشريط الذي اختاره ايستوود أقوى من ملفقي الصورة.
وهو عنوان ثابت، وتشكيكي برايات كثيرة رفعت ولا تزال، في تاريخ كافة الشعوب، وهي ليست جديرة إلا بالخجل لزيفها اولا، ولما تتضمنه من إساءات الإنسان لذاته بما يسميه حمقا ب «فن» الحرب ثانيا. وما استطاعه ايستوود في تشكيكه برايات الآباء في أميركا التي تتحمل انتقادها. الانتقاد الذي لا يمكن ممارسة ربعه او اقل منه في العالم الثالث. فالكم الهائل من الرايات المرفوعة حول العالم يلزمها مراجعة إذا لم نصل إلى حدود التشكيك. فهل هذا ممكن في العالم العربي؟
رسائل العدو بالأبيض والأسود وبلغته
« رسائل من ايوو جيما» تدور أحداثه حول المعركة الجحيمية، من وجهة نظر «العدو» الياباني بالكامل. وباللغة اليابانية، لمخرج أميركي، صور فيلمه بالأبيض والأسود وبتلوينه فضاء اخف من تلوينه فيلم «رايات آبائنا». أراده ايستوود صورة وصوتا حقيقيين بلا تلفيق او توليف بين متحاربين. نزاهة عالية في النظرة إلى الأخر. خاصة اذا كان هذا الآخر هو العدو في تلك الآونة. وهذه سابقة كاملة في تاريخ سينما أفلام الحرب عموما.
مع أنني أفضل عدم إطلاق هذه الصفة على نوعية هذا الشريط. لأنه أكثر من فيلم حربي. فيه مستويات متنوعة وكثيرة. انه فيلم آسر وكبير من نواحيه الفنية والتقنية. كوادر، لقطات، منتجة، إضاءة، ظلال، أوزان الأبيض والأسود، سيناريو شارك فيه بول هاغيس، شريك ايستوود في اعمال كثيرة ومنها فيلم «طفلة المليون دولار». إلى جانب كاتب السيناريو الياباني اريس ياما شيتا الموهوب، الذي عمل مع عملاق السينما الآسيوية اكيرا كورساوا.
سجل كلينت ايستوود في عمليه الجديدين إضافة كبيرة إلى سجله السينمائيين الحافل بالانجازات الضخمة والكبيرة. وهو يثبت انه من عمالقة الفن السابع. والفرق الوحيد بينه وبين العملاق الآخر ستانلي كوبريك ان الثاني لم يحصل على اي جائزة اوسكار عن أعماله الخالدة، بمقابل ايستوود الحائز على الكثير منها بجدارة.
وجائزة الأوسكار بحد ذاتها لطالما شدتني إلى تشكيك بماهيتها كون الكثير من الكبار حرم منها، والقليل منهم الذين انتزعوها لم تضف إليهم الكثير لأنهم لا يحتاجون إلى ترويج أعمالهم، كما هي مجمل أعمال كلينت ايستوود لا تحتاج الترويج، كون الفن الحقيقي الذي يعيد للسينما صحتها، ويرشدها إلى جهة التصويب الحقيقية لا يحتاج إلى جوائز لا تزيد من قيمة إبداعه شيئا.
دبي ـ حسين قطايا
