يقول نزار قباني على لسان المرأة : أسخف ما نحمله يا سيدي الأسماء! رغم هذه (الثورية) المتطرفة من قبل المرأة، إلا أن الشاعر الوردي الراحل كأنما يريد من كل هذا أن يجعل من المرأة إنساناً كونياً لا تمتثل لطوق الاسم ومحدداته بوصفها كائناً فوق الأسماء والتسميات والمسميات، فالإمبراطورية القبانية ترمي إلى إنشاء إمبراطورية كونية نسائية لا اسم لها ولا لنسائها!
هذه فكرة طوباوية، شعرية، خيالية ، قريبة من البَطَر الشعري الذي عُرف به الشاعر. ونزار قباني الذي غامر بقصائده (النسائية) كثيراً وبأسماء نسائه العاشقات المختلفات المتبدلات بقي أولاً وأخيراً: نزار قباني ولم يتبدل اسمه!
لاشك أن أسماءنا لا تدل على كائنات غيرنا، فأول علاقتنا بالحياة هي أسماؤنا وأول مناداة نسمعها هي التي تدعونا بأسمائنا وهي أول انتمائنا الروحي والنفسي والاجتماعي، اسمنا تعويذتنا الأزلية التي نحملها معنا إلى القبر،
وكثيراً ما تجتهد الأسر العربية لتجعل من أسماء أبنائها وبناتها ذات وقْع له قيمة اعتبارية ورمزية أكثر من كونها أسماء مجردة عابرة؛ ومسببات المسميات لا تنفصل عن تاريخيتها وجغرافيتها وظروفها القبلية والعشائرية أبداً، ولو تأملنا المجتمع العربي عبر تجلياته المختلفة لوقفنا على مفارقات كثيرة في إشكالية الأسماء، فابن الصحراء ترتبط مسمياته ببيئة الصحراء وابن القرية يميل إلى الطبيعة وابن المدينة يكتسب خبرته من بيئة مزدوجة مغايرة، وبعد العصر الإسلامي ارتبطت الأسماء بعصرها الجديد وبرموز رجالاتها المعروفين وما جاء به القرآن الكريم من مفردات وأسماء نورانية بهيجة.
الاسم كائنٌ حي متجسم: يسمع ويرى ويتكلم ويمارس حياته بشكل طبيعي، وهو ليس مجرداً من العواطف والتاريخ والمزاج النفسي والاجتماعي والديني؛ فالاسم نص متعاشق من تاريخ وجغرافية ودين وحضور وعلاقات وممكنات حياتية متوالية كبيرة ،
يبدأ صغيراً كما حامله ويكبر كلما يكبر حامله بالمعرفة والكسب الاجتماعي والأخلاقي والإنساني؛ فالأسماء تؤرخ مراحل صيرورتها وتدل عليها، في كثير من الأحيان، ولأن الاسم مجتمعي بطبعه، لذلك نجده يرتبط بموروث المجتمع وعاداته وأساطيره، وحتى الآن لا تزال بعض الأسر العربية القروية تميل إلى تسمية أبنائها بشكل قبيح لتطرد الحسد والعين الشريرة عن كائناتها المولودة وتحدّ من وفيات أبنائها!
تتجلى الأسماء من تجليات رموز المجتمع وثقافته العامة، فشيوع الأسماء التاريخية هو انتماء لحاضنة ماضية فيها العز والمجد والظفر، وشيوع أسماء رؤساء القبائل والعشائر هو تيمّنٌ بفرضية تواصل الأجيال الجديدة بماضٍ قاده هؤلاء، وشيوع أسماء رؤساء الدول له علاقة بمنجزات نضالية وبنائية ارتبطت بأسمائهم، كما أن البعض بدا يميل إلى التسمية بأسماء دول معينة (هند، آسيا، باريس ..) لما لهذه الدول من حضور سياحي وأسطوري.
الاسم نص ثابت، لكنه يتحرك في الزمان والمكان. وأي اسم لا يمكن أن يكون عابراً في حياة الإنسان أبداً لأنه يرتبط بعناصر الحياة كاملة ويكتسب طباعه من تلك العناصر ويتأثر بما لا نستطيع تفصيله هنا. في أسمائنا صورتنا الأولى والأخيرة وخريطة حياتنا الكبيرة. أسماؤنا نصوصنا التي نحملها أينما حللنا، فهل كان نزار قباني على حق؟
وارد بدر السالم
waridbader@yahoo.com