لم يتأثر الاقتصاد العالمي حتى الآن بأسعار البترول أو التراجع في سوق المنازل الأميركية، ولا تزال البنوك المركزية واثقة من استمرار النمو الاقتصادي. على مستوى الاقتصاد العالمي لا يزال معدل التضخم منخفضاً مقارنة بالمعايير التاريخية رغم أنه أعلى مما تفضل بعض البنوك المركزية في العالم. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الأميركي باستثناء الغذاء والطاقة، بنسبة 2.07% خلال الإثني عشر شهراً الماضية حسب ما أعلنته الحكومة مؤخراً. وأسعار البترول في أعلى مستوياتها، لكن البورصات العالمية نشطة.
ويؤكد رفع البنك المركزي الياباني لأسعار الفائدة لأول مرة منذ يوليو الماضي حالة التفاؤل غير المتوقعة في الدول الرئيسية في العالم ـــ المستمر في النمو رغم ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع أسواق العقارات. وتتفق البنوك المركزية في أن النمو سوف يظل مستقراً ومعدل التضخم تحت السيطرة لدرجة أن ما يهم البنوك المركزية ليس المستقبل القريب بل ما إذا كانت الظروف تؤدي إلى تكهنات مبالغ فيها بالنسبة لأسواق المال.
وعكست خطوة البنك المركزي الياباني ثقته في اقتصاد البلاد والاقتصاد العالمي عموماً. والواقع أن الاقتصاد الأميركي تباطأ مقارنة بعام مضى لكنه ظل ينمو بمعدل كاف للحفاظ على انخفاض البطالة برغم تراجع سوق المنازل. وفي منطقة اليورو من المتوقع أن تسجل الدول الأعضاء نمواً أعلى من سنوات سابقة رغم أنه قد يكون أقل من السنوات الست الماضية. وأوضحت البيانات أن أسبانيا لحقت بكل من ألمانيا وإيطاليا في الربع الأخير من العام الماضي.
وقالت نازيمان بيها رفيش الخبيرة الاقتصادية في جلوبال إنسايت الأميركية إن الصورة جيدة، وعلى الأقل هناك نمو متواضع ومعدل تضخم لا يبدو أنه خارج السيطرة. لكن أكبر خطر هو قوة الاقتصاد العالمي التي تدفع الأسعار لأعلى وتضطر البنك المركزي الأميركي ونظيره الأوروبي لرفع أسعار الفائدة. ورغم ارتفاع النمو في الصين، فإن أميركا واليابان وأوروبا تمثل 70% من الاقتصاد العالمي، وفق خبراء جربي مورجان.
وأحدث ما يقلق البنوك المركزية هو أن يقلل المستثمرون من أهمية المخاطر ويرفعون أسعار الأصول من سندات الشركات وفي عملية الحصول على العائدات من هذه الأصول، مثل أسعار الفائدة طويلة الأجل. وهذا يعزز الاقتصاد العالمي حتى الآن لكن بعض صناع السياسة يخشون ألا يستمر هذا الوضع وأن حركة عكسية في فهم المخاطر قد تسبب انخفاضاً في أسعار الأصول فيتراجع المستثمرون ويهدد ذلك النمو.
وتتردد المخاوف بشأن قبول قدر كبير من المخاطرة من حين لآخر. وقال جون كلود تريشيه محافظ البنك المركزي الأوروبي انه ونظراءه يريدون أن تعي الأسواق مخاطر الرهان على احتمال واحد فقط. وقال انهم قلقون بصفة خاصة من الاقتراض بسعر زهيد مثل فائدة اليابان لاستثمار هذه الأموال في أماكن ذات سعر فائدة أعلى مثل أوروبا وأميركا، وأعرب تريشيه ونظراؤه عن القلق من العقلية الصلبة في الأسواق التي تعززها صناديق التحوط التي تقوم بعمليات مثل المذكورة فتزيد من احتمالات ارتفاع الخسائر إذا فشلت الرهانات.
وقال مسؤولو البنك المركزي الياباني إن استمرار انخفاض سعر الفائدة هناك قد يزيد من هذه العمليات، مما يسبب تشوهاً في الأسواق بطريقة تؤثر على العملات وأسعار الفائدة والنمو العالمي. وقال محافظ بنك اليابان إن حركات التشوه في أسواق المال ــ بما في ذلك المضاربة على الين ــ يمكن أن تكون لها تأثير سلبي على النمو الحقيقي والأسعار.
وأراد البنك المركزي الياباني أن يحبط التكهنات بأن أسعار الفائدة سوف تظل منخفضة في اليابان لفترة طويلة لمنع المستثمرين من اتخاذ مواقف متطرفة.
ويفسر المسؤولون في البنك المركزي الأميركي الهدوء الأخير في الأسواق بطريقة أخرى، وأرجعوا كثيراً من عناصر السوق الأميركية، مثل ارتفاع المدخرات في الدول النامية، إلى أميركا، لكن دونالد كون نائب محافظ الاحتياطي الفيدرالي يرى أن هناك أسباباً أكثر للقلق، وأوضح أنه من الحصافة استبعاد حركات عنيفة في أسعار الأصول وتدهوراً في السيولة في السوق تكون اختباراً لبنيته التحتية وللمؤسسات المالية.
ولا يرى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أن التكهنات في السوق سبباً لتشديد السياسات المالية، أو حتى وضعها تحت السيطرة، بل قالوا إن النقص في الطاقة الاقتصادية الإضافية وارتفاع معدل التضخم هو سبب كاف للحفاظ على سعر الفائدة قصيرة الأجل عند 5.25% مع احتمالات رفعها أيضاً.
وفي الاقتصاد الأوروبي انعكس اتجاه كل المفاجآت الأخيرة، وتقول جوليان كالو الخبيرة الاقتصادية في باركليز كابيتال في لندن ان منطقة اليورو شهدت مفاجآت بالفعل على المستويات في العام الماضي أدت إلى ارتفاع قيمة اليورو وانعكاس الاتجاه الهبوطي في الطلب من أميركا. فلا تزال الصادرات هي الدعامة الأساسية لمنطقة اليورو التي تضم 13 عضواً، وهناك تحسن في سوق العمل أيضاً، وهذا قد يعزز الإنفاق الاستهلاكي.
ترجمة: أشرف رفيق