شفي أول جولة خليجية لرئيس روسي زار فلاديمير بوتين ثلاث دول عربية خليجية أبرزها السعودية وقطر ووقع معها عددا من الاتفاقيات متعددة المجالات أهمها الاقتصاد والتجارة والطاقة، وجاءت هذه الزيارة التاريخية بعد زيارة تاريخية للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز لروسيا ضمن جولة آسيوية شملت الصين والهند وماليزيا وصفت بأنها توجه استراتيجي عربي خليجي نحو الشرق لتحقيق التوازن السياسي والاقتصادي مع التوجه القائم نحو الغرب.
وأسفرت الزيارة الأولى لرئيس روسي للسعودية والتي تمثل توجها نحو الجنوب العربي الخليجي عن توقيع خمس اتفاقيات ركزت على زيادة حجم التبادل التجاري الاقتصادي والتعاون والاستثمار المتبادل في مجالات الطاقة والتسليح والإنتاج الصناعي والتعاون النووي بين البلدين اللذين ترجع جذور علاقاتهما إلى ثلاثينات القرن الماضي عندما كانت روسيا هي أول دولة في العالم تعترف بقيام السعودية.
وكانت العلاقات العربية الروسية عموما منذ خمسينات القرن الماضي رغم الخلافات الأيديولوجية في ظل الاتحاد السوفييتي تتسم بموقف سياسي روسي داعم لقضايا التحرر العربية، وبموقف اقتصادي روسي داعم لخطط التنمية العربية دون شروط سياسية كتلك التي يفرضها الغرب وذلك في إطار الحرب الباردة التي كانت دائرة بين موسكو وواشنطن حرصا من موسكو على تقديم البديل الأفضل لدول العالم الثالث عن الخيار الأميركي.
كما كانت العلاقات العربية الروسية رغم الحواجز الأيديولوجية في الماضي تصب في مصلحة العرب حيث كان الاتحاد السوفييتي ظهيرا سياسيا قويا بل وعسكريا أحيانا لمواجهة العدوان الغربي والإسرائيلي عليهم، حيث كان موقفه الحازم في مجلس الأمن الدولي وراء العديد من القرارات الدولية المتوازنة التي يفتقدها العرب الآن بعد هيمنة القطب الواحد على قرارات مجلس الأمن غير العادلة وغير المتوازنة.
ورغم ذلك كان الجدار السياسي والنفسي عاليا بين منطقة الخليج العربي خصوصا والاتحاد السوفييتي طوال عقود الحرب الباردة، لكنه انهار مع انهيار سور برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي وزوال «البعبع الشيوعي» من ملامح السياسة الروسية التي تتعامل الآن مع العالم على قاعدة الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة وبلغ بها النجاح مع الدول الإسلامية وليس مع الدول العربية فقط أن انضم الاتحاد الروسي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب وهي التي تضم عشرات الملايين من المسلمين.
ويتزامن التحرك الروسي باتجاه دول خليجية عربية مع التحرك الصيني في اتجاه دول افريقية عربية أبرزها السودان بالجولة الصينية التاريخية لأهداف اقتصادية استراتيجبة لعدد من الدول الإفريقية تستهدف تطبيق استراتيجية التعاون الصيني الإفريقي على قاعدة الشراكة في التنمية والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل بلا إملاءات سياسية ولاعقوبات اقتصادية،
بينما على الجانب الغربي المقابل وفي أعقاب هذه الزيارة تم الإعلان عن موافقة الرئيس الأميركي عن الخطة «بي» للعقوبات ضد السودان التي تتضمن عقوبات مالية، وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن المحور الاقتصادي من هذه الخطة يعتمد على أن الاقتصاد السوداني يتعامل بالدولار خصوصا في صادراته النفطية، مما يمكن واشنطن من التحكم في تعاملات السودان في التجارة الدولية.
وتضمنت الخطة من بين عقوبات أخرى غير اقتصادية تجميد تعاملات المصارف الأميركية مع السودان بما في ذلك عائدات الصادرات النفطية السودانية التي تحصل الصين منها على 75%، وذلك لعرقلة تعاملات الحكومات والشركات الدولية مع الحكومة السودانية نظرا لأن معظم التعاملات التجارية السودانية بفعل «الدولرة» تتم عبر المصارف الأميركية.
ولاحظ المراقبون أن هذا الإعلان الذي تغطى بمسألة دارفور جاء بعد ثلاثة أيام فقط من الزيارة التاريخية للرئيس الصيني هو جين تاو للخرطوم والتي نتج عنها توقيع سبع اتفاقيات تعاون مشترك في المجالات الاقتصادية المختلفة ومن بينها الصناعات النفطية والصحة والبيئة والبنية الأساسية، والتي وصفت بأنها «استراتيجية» وهو مايعكس الطبيعة الانتقامية لهذه العقوبات.
ولا يخفى عن المراقبين أن هذه الإجراءات الانتقامية لاتبدو موجهة إلى السودان فقط ولكنها رسالة تحذير إلى الدول الإفريقية عموما التي ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية مع الصين ومن بينها الدول السبع الإفريقية التي شملتها الجولة الإفريقية للرئيس الصينى، وجاءت لتعكس القلق الأميركي المتزايد من نمو العلاقات الاستراتيجية الصينية ـ الإفريقية على نحو متزايد.
وجاءت جولة الرئيس الصيني الإفريقية بعد ثلاثة أشهر فقط من اتفاق قمة التعاون الإفريقي الصيني على تطوير الشراكة في التنمية وفي المجالات المختلفة ومن بينها النفطية والاقتصادية، تلك العلاقات التي يستفيد منها الطرفان والتي بدأتها مصر أولى الدول الإفريقية منذ نصف قرن بإقامة علاقات دبلوماسية مع الصين عام1956.
حدث ذلك كثمرة للقاء الذي جمع بين الزعيمين العربي «جمال عبد الناصر» و الصيني «شوإن لاي» في قمة التضامن الآسيوي الإفريقي في مؤتمر باندونغ عام 1955 ، والتي أسست لعلاقات عربية صينية وافريقية صينية، وتبلورت استراتيجيا في قمة التعاون الإفريقي الصيني الأخير في بكين والذي سيعقد دورته القادمة في «القاهرة» عام 2009.
وتتبدى مشكلة الإدارة الأميركية سواء في التعامل السياسي والاقتصادي مع السودان العربي الإفريقي خصوصا أو مع الدول العربية والإفريقية عموما في أن الإدارة الحالية التي تتبع سياسة العصا الغليظة بالعقوبات، وبمنطق الهيمنة والاستعلاء لم تفهم بعد كيفية التعامل مع شعوب يمكنها تحمل التضحية بالدم في سبيل الحرية، وبالخبز في سبيل الكرامة.
تلك المشكلة في الفهم والاعوجاج في الموقف التي رفضت تزويد مصر بالسلاح عام 55 للدفاع عن نفسها في أعقاب الغارة العدوانية الإسرائيلية على القوات المصرية في «غزة» هي التي فتحت الباب للصين وروسيا بصفقة الأسلحة الروسية بوساطة صينية إلى القاهرة ثم إلى العالم العربي والاتحاد الإفريقي بدون شروط سياسية.
ونفس المشكلة في الفهم السياسي والاقتصادي في التعامل مع العالم الثالث التي تعاني منها الإدارة الأميركية الحالية الفاقدة للثقة الشعبية الأميركية والفاقدة للمصداقية العربية والإفريقية بل والعالمية، ورثتها عن إدارات سابقة اتسمت بنفس سمات عدم الفهم الكافي الساعية إلى تحويل القادة العرب والأفارقة إلى وكلاء أعمال لهم لتحقيق مصالحها ضد مصالح شعوبهم.
تلك العقلية الأميركية النادرة الذكاء نفسها هي التي فتحت الأبواب الاقتصادية والسياسية الواسعة أمام روسيا إلى العالم العربي وإفريقيا، ذلك الذكاء النادر الذي تمثل برفض أميركا والبنك الدولي الواقع تحت السيطرة الأميركية تمويل مشروع «السد العالي» الذي كان حلما مصريا لتحقيق التنمية الزراعية والصناعية المصرية فتقدمت روسيا ليبقى السد العالي إلى الآن في أسوان على الحدود مع السودان نصبا تذكاريا للصداقة المصرية الروسية.
إن الدروس العديدة السابقة التي لم تتعلمها واشنطن على العكس من بكين وموسكو في تعاملها مع العرب المصريين والسودانيين والسوريين والخليجيين وغيرهم هي أننا جميعا نرفض الهيمنة وغطرسة القوة والحصار الاقتصادي والتهديد بالعقوبات لفرض السياسات، ونقبل فقط الشراكة في التنمية غير المشروطة، والتوازن في تبادل المصالح واحترام الإرادة الشعبية والكرامة الوطنية بعيدا عن محاولات توظيف «الدولرة الاقتصادية» لفرض «الأمركة السياسية».
مستشار إعلامي
Bmamdoh77t@h0tmail.com