لاحظ أحد الأشخاص شرنقة فراشة في حديقة منزله، وعندما اقترب منها لفت انتباهه ثقبٌ صغير بدأ في الظهور في جدار الشرنقة في محاولة من الفراشة الوليدة للخروج. و لعدة دقائق تابع محاولات الفراشة للخروج دون جدوى قبل أن تسكن حركتها وتخمد محاولاتها، فما كان من الشخص إلا أن أحضر مقصاً ثم بدأ في قص جدار الشرنقة حتى استطاعت الفراشة الخروج بجسم ضئيل وأجنحة غايةٍ في الصغر و الضعف.
ظل ذلك الشخص ينتظر اللحظة التي تكبر فيها الأجنحة الملوّنة و تحلق كبقية الفراشات لكن دون طائل فقد بقيت الفراشة تزحف بجسم ضئيل وأجنحةٍ صغيرة خلال عمرها القصير، فما لم يفهمه أن الحكمة من صلابة الشرنقة وسماكة جدرانها هو تهيئة أعضاء الفراشة للاكتمال و النمو وأنّ محاولاتها المتعثرة للخروج هي المرحلة الأهم في تكوينها لأجل تقوية أعضائها ومنحها الصلابة الكافية!
إن العثرات و المصائب هي ما يخلق انساناً أكثر تماسكاً وأصلب عوداً وكلما زادت هذه العراقيل كانت الدروس المستفادة أكثر وفرص النجاح للغد القادم أكبر لمن رمى رداء اليأس وحمل معول المحاولة، و من توقف عن مواجهة التحديات ومحاولة إشعال شمعة في ظلمة الحاضر كان هو الخاسر الأكبر،
فالصعاب لم توجد إلا لتُقتَحَم والنكبات لم توجد إلا لنتعلم منها والعثرات لم تحدث إلا لننهض منها أشد مراساً و أقوى عزيمة. ومن بخل على نفسه بالمحاولة كان أبخل على غيره ومن حوله، و من لايرتضي التغيير لذاته لن يكون جديراً بحمل لواء التغيير و التصحيح مهما تشدّق بالشعارات الرنّانة!
تجاذبت مع أحد الإخوة أطراف الحديث عن أهمية التمكين في المؤسسات وضرورة أن يتابع القائد ما يجري من أتباعه تجاه أتباعهم من صغار الموظفين، فالعراقيل التي قد توضع أحياناً تكون مدمّرة وليس بالإمكان تجاوزها مادامت حظيت برعاية مدير إدارة متحجّر
أو أحكم مزلاجها مسؤول غابت عنه رؤية المؤسسة من أجل ضمان أمنه الوظيفي خشية أن يُهدّده موهوب يقل عنه في المستويات الوظيفية ولكن يفوقه في معيار القدرات والإمكانيات، فهنا مهما تركت هذه الفراشة من زمن فإنها لن تنمو ولن تخرج للضوء لأن شرنقتها قد صُنِعَت من الفولاذ!
لستُ أدعو قائد المؤسسة هنا للتدخّل في صغائر الأمور ودقائق التفاصيل التي هي من صميم عمل غيره لكن من المهم أن يشعر الجميع أنّ الإدارة العليا تكفل حق الجميع في تساوي الفرص وفي حفظ العدالة الوظيفية وحماية الحقوق مثل مطالبتها بتحقيق الواجبات والالتزامات، فطبيعة بعض البشر غير مهيأة للتطوّر وغير متقبّلة للتغيير،
وبعضها لا يرى النجاح إلا بنجاح صاحبها تحديداً ولا مشكلة في سبيل ذلك إن أحبط آخرين تحته أو «كسّر مجاديفهم» إن رأى أنهم أعلى منه معرفة أو أكثر منه تأهيلاً، فيبدأ حينئذ في إبعادهم عن دائرة الضوء شيئاً فشيئاً حتى يتواروا رغماً عنهم وتتناساهم أعين كبار المسؤولين وأذهانهم المشغولة بمستجدات الحياة ومنغصات العمل، ومهما أثّر ذلك على نوعية العمل المنجز بإبعاد الموهوبين،
فالكثير من قيادات المستويات الإشرافية الوسطى يعيشون في رعبٍ كلما أتاهم موظف جديد على درجة عالية من التأهيل ورغبةٍ متأججة للعطاء ولا تطيب لهم الأمور إلا عندما توكل لهم مهمة اختيار موظفيهم لينتقوا من يقلّون عنهم في التأهيل والكفاءة ومن ليس بإمكانهم خلق الفارق للمؤسسة لكن وهو المهم لا يشكلون كابوساً لوجود هذا المسؤول!
لا أنادي بفتح باب المسؤول على مصراعيه لكل مشتك، فقد يضيع الوقت دون إنجاز عمل وقد يدخل في المشتكين السلبيون وأبطال التذمّر ومن لايعجبهم العجب، لكن بالإمكان الوقوف على حال المؤسسة ومناخها الفعلي بتبنّي التقييم الشامل أو ما يسمى 063 Degrees Feedback
حيث يقوم على تقييم أي موظف أربعة أشخاص على الأقل رئيسه المباشر وأحد الموظفين التابعين له، وشخص في نفس درجته الوظيفية أو منصبه، و متعامل معه سواء كان من خارج المؤسسة أو من أحد الأقسام المتعاملة معه، فيستحيل من الناحية المنطقية أن يتفق الجميع على ظلم الشخص موضوع التقييم،
بل المتوسط سيكون عادلاً بصفةٍ إجمالية في إعطاء صورة كافية عن هذا الشخص وطريقته في التعامل مع الآخرين و أسلوبه القيادي ومدى اتساق عمله مع أهداف المؤسسة العامة ومقدار تقبّل الآخرين له والمآخذ التي يجب أن يتخلّص منها والإيجابيات التي يتميّز بها عن البقية. إن أحسن فله الثناء وإن أساء فلابد من مساءلته قبل أن يستفحل الخطأ ويعمّ ضرره من حوله من موظفين ربما كان وجودهم أهم بكثير من وجوده!
يرى لي برانهام في كتابة «الأسباب الخفية السبعة لرحيل الموظفين» أنّ الموظف يحتاج لأربعةٍ أشياء رئيسية:
1. الحاجة للثقة: بأن تكون المؤسسة في مستوى وعودها و قيمها المعلنة و بأن تستثمر لتطوير قدرات الموظف و بأن يحصل على معاملة عادلة تحفظ حقوقه.
2. الحاجة للأمل: بأنّ لديه مكاناً يرتقي له إن طوّر من قدراته و تجاوز المتوقع منه دون أن يُطالب بذلك.
3. الحاجة بالقيمة: بأن وجود الموظف له أهمية وبأنّ في مقابل مجهوده و تعاونه و تفانيه في عمل سيتحصل على مقابل مكافئ.
4. الحاجة للإحساس بالجدارة: بأنّ الوظيفة التي يشغلها تتوازى وقدراته و مواهبه.
وكل هذه الحاجات وإن كانت في نظري متشابهة إلى حدٍ كبير إلا أنها واضحة في أنّ الموظف لايمكن أن يبدع في بيئة لا تحفظ حقوقه ولا تعترف بحاجاته وليس بالإمكان أن يظهر عمله للعيان إن كان من يعلوه يكتم على أنفاسه ويئد موهبته، فالمبدع لا تتجلّى موهبته إلا في البيئة السليمة، والطائر الحر لا تحدّ خفقات جناحيه مساحات الفضاء ولا توقف تغريده كثرة الأصوات من حوله، أمّا الطيور الميتة .. فإنها لا تغرّد !
من الضرورة بمكان أن يعرف أتباع القائد حبّه للعدالة ولإتاحة الفرصة المتساوية للجميع وأن يعلموا بصرامته وشدّته لمن يُغلّب مصالحه الخاصة على مصلحة المؤسسة، فإن عُرف عن القائد تعلّقه بقيم سلبية كان الضرر أكبر وتفسيرها لدى أتباعه ممن هم على شاكلته أفدح. وتحضرني تلك الطُرفة عن حاكم عسكري اشتهر بعشقه للتجسس على شعبه وبولعه بنظرية المؤامرة، فأحاط نفسه ببطانة من نفس فئته الشكّاكة و السوداوية،
وحدث أن طلب ابن الحاكم من أبيه أن يُحضر له مدرس اللغة الإنجليزية ليساعده في الاستعداد للاختبار، فما كان من الحاكم إلا أن أمر رئيس مخابراته بإحضار المدرس بأقصى سرعة لكن مرّت أيام ولم يظهر المدرس وابن الحاكم يعود للسؤال عنه فينادي الحاكم رئيس المخابرات ويسأله: «أين الشخص الذي طلبتك أن تحضره؟» فيرد رئيس المخابرات: «لقد اعترف سيدي وتم إعدامه»!.
الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي
awad141@yahoo.com