في ظل الإجراءات المتسارعة التي تتخذها معظم دول العالم نحو تحرير وفتح أسواقها أمام الاستثمارات المختلفة، تتزايد التحديات التي تواجه أسواق المال الخليجية خلال العقد المقبل وذلك لبناء أسواق رأسمال متطورة تخدم أهداف التنمية وتساهم بشكل كبير في توطين الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ان التطورات التي شهدها العقدان الماضيان أظهرت تبني معظم دول العالم للاتفاقيات الدولية التي عملت على إزالة الحدود والحواجز بين الدول وإذابة المعوقات أمام الاستثمارات، الأمر الذي أدى إلى ترابط اقتصادات هذه الدول بشكل كبير وتوجه حكوماتها إلى الاستفادة من الاستثمار ليكون المحرك الرئيسي لاقتصاداتها مع الأخذ بعين الاعتبار ما ألقت به الأزمة المالية في دول جنوب شرق آسيا من ظلال قد تؤثر على عملية فتح وتحرير الأسواق.
ويمكن القول إجمالاً ان أسواق المال الخليجية وبالرغم مما تعانيه في الوقت الحاضر فإنها استطاعت أن تطور من القدرات الأساسية التي تمكنها من التركيز على الجوانب التي تمثل الاستراتيجية لتطوير أسواق المال مثل تطوير البيئة التشريعية وتطوير أنظمة التعامل الفنية والترويج لتطوير السوق الأولى وتوضيح دور سوق رأس المال في عملية التنمية الاقتصادية سواء في السوق المحلي أم دول المنطقة.
إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتطوير أساسيات أسواق المال الخليجية، حيث إنه وبالرغم من التحسن الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة إذ أن دورها في تمويل عمليات التنمية لا يزال محدوداً ولا يزال الجزء الأكبر من احتياجات التمويل يستقطب عبر المؤسسات المالية والمصرفية المحلية والأجنبية.
إن هناك عدة عوامل أدت إلى محدودية أسواق الأوراق المالية أبرزها ضيق هذه الأسواق المتمثل في قلة الأدوات الاستثمارية، وقلة الشركات المدرجة وقلة الأوراق المتاحة للتداول. كما تعاني هذه الأسواق من ضعف نشاط السوق الأولى وبروز طابع المضاربة والافتقار للمعلومات ودقة الإفصاح. كما تعاني أيضاً من قصور في الأطر التنظيمية.
كذلك من المهم أن تتضمن استراتيجية التطوير المقترحة إجراءات تشجيعية لتحويل شركات القطاع العام والشركات العائلية إلى شركات مساهمة. وبالنسبة لشركات القطاع العام، يتطلب ذلك وجود برامج متكاملة للتخصيص وما يتطلبه ذلك من إنشاء جهاز أو هيئة يتم تشكيلها من الجهات الرسمية ذات العلاقة والغرف التجارية بحيث يناط به تنفيذ هذه البرامج وحل المشكلات.
أما بالنسبة للشركات العائلية، فإنه يتطلب أيضاً وجود برامج لتوعية الشركات العائلية بأهمية التحويل إلى شركة مساهمة بحيث تتضمن بيانات إحصائية وحقائق معينة حول أهمية التحويل إلى شركات مساهمة ودوره في زيادة الإنتاج وتنويعه. لذلك، فإن الحاجة لا تزال ملحة أيضاً لقيام الجهات المعنية بدول مجلس التعاون والدول العربية بالتنسيق فيما بينها لدراسة أوضاع واتجاهات الأسواق المالية العالمية خاصة تلك التي تعرضت للهزات مؤخراً
والعمل على الحد من الآثار السلبية المحتملة لهذه الهزات على أسواق المال في منطقة الخليج والعالم العربي خاصة وأن بعض المصادر تقدر حجم رأس المال العربي المستثمر في الخارج بنحو 1200 مليار دولار في حين تقدر الاستثمارات الخليجية الحكومية والخاصة في الأسواق المالية الدولية بما يزيد على 350 مليار دولار.
إن تنامي الاحتياجات التمويلية لدول مجلس التعاون أوجد أهمية أكبر للأسواق المالية لمقابلة تلك الاحتياجات، وكان لتقلب أسعار النفط أثر كبير في تغيير السياسات المالية والنقدية لحكومات المجلس للتكيف مع الوضع الجديد. وشهدت السنوات الأخيرة انكماشات في دور الحكومة في النشاط الاقتصادي ولدورها التقليدي كمصدر رئيسي للتمويل.
وأصبحت الحكومات تولي اهتماماً لضبط معدلات السيولة المحلية وتعمل على تفادي عجز الموازنة الحكومية عن طريق الأساليب التضخمية واتجهت إلى إصدار أدوات الدين العام المختلفة مثل السندات الحكومية. كذلك شهدت الآونة الأخيرة خصخصة المؤسسات العامة وإفساح المجال للقطاع الخاص ليكون له دور ريادي في دفع عجلة التنمية لمختلف القطاعات.
وفي الوقت الذي تتنامى فيه الاحتياجات التمويلية لدول المجلس، فإن معظم استثمارات القطاع الخاص في الخارج هي استثمارات في أسهم حقوق الملكية المدرجة في الأسواق المالية أو في السندات بكل أنواعها خاصة سندات الخزينة لارتفاع عنصر الأمان فيها ولكونها تدر دخلاً ثابتاً.
بينما يفترض الوضع الطبيعي ان تكون معظم هذه الثروات موظفة ومستقرة في دول الخليج ذاتها وربما يكون هناك ما يتراوح ما بين 20 إلى 25% من قيمة هذه الثروات قد توجه للاستثمار في الأسواق المالية العالمية. لذلك، من الضروري مواصلة هذه الجهود من خلال توفير بيئة استثمارية واقتصادية ملائمة ومتكاملة لأسواق المال الخليجية.
ان أي سوق مالية ناشئة لا يمكنها تحقيق النجاح دون أن يتوافر لها الاستقرار الاقتصادي والنقدي الذي يعتبر بمثابة رسالة مشجعة للمدخرين المستثمرين. لذلك لابد من تسريع عجلة برامج الإصلاح الاقتصادي بدول مجلس التعاون الخليجي.
كاتب بحريني