يبدأ المخرج السوري هشام شربتجي مطلع هذا الشهر تصوير مسلسله «ذاكرة الجسد»، بين فرنسا والجزائر وتونس، كما قد يصور بعض المشاهد في عمّان، وذلك بعد أن اختار الفنانين غسان مسعود وكاريس بشار لبطولة عمله.

في هذه المقابلة يتحدث شربتجي عن الصعوبات التي واجهها في التعامل مع الرواية، معبراً عن امتنانه للتعاون مع الكاتب الأردني غازي الذيبة شريكه في كتابة سيناريو العمل الذي ينتجه تلفزيون أبوظبي وينفذه المركز العربي للإنتاج المرئي والمسموع في عمان، ويعرض في شهر رمضان المقبل، ويعد شربتجي في حديثه أن يكون أميناً لأفكار وشخوص احلام مستغانمي، لكي يبقي على مصداقية الرواية احتراماً منه للمؤلفة: * ما الذي دفعك لإخراج عمل «ذاكرة الجسد» المأخوذ عن رواية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي؟ ـ بداية، تناول «ذاكرة الجسد» في الدراما، الرواية التي انتشرت على نحو غير مسبوق، يلفت النظر، والدخول إلى أعماق هذه الرواية مغامرة، فذاكرة الجسد لا تحمل بذور مسلسل من ثلاثين حلقة بسبب أحداثها القصيرة، إضافة للتقنية الأساسية في الرواية وهي المونولوج الداخلي «التداعي الحر» وكأنها مونودراما على لسان شخص واحد، وهي فرصة كبيرة لكل ممثل لأن دوره سيكون مفروضاً على كامل العمل.

* ترددت شائعات عن تنافس كبير بين فنانين كبار لأخذ دور البطولة، هل فرض عليك أمر ما في هذا الصدد؟ ـ اخترت لبطولة «ذاكرة الجسد» الفنان السوري غسان مسعود، فيما ارتأيت أن تكون البطولة النسائية الأولى للفنانة السورية كاريس بشار، وأنا أؤكد هنا على مقولة «المخرج أولاً وأخيراً دكتاتور» التي اواجه فيها وجهات النظر المتقاطعة من قبل جهة الإنتاج «تلفزيون أبوظبي» والشركة المنفذة «المركز العربي». إن «ذاكرة الجسد» سيحقق بتوزيع أبطاله أموراً منها: التطابق بين رؤيته الإخراجية وما يمكن أن يمنحه الممثل وأن لا يوزع الدور على الجاهز، ويكون أداء فريق العمل متناغماً فيما بينه، دون أن اغفل مشاركة أسماء ترى فيها الجهة الإنتاجية أسماءً رائجة. وأعتقد أن كل الأدوار الثانوية في المسلسل هي أدوار بطولات ولو كانت مشاهدها قليلة، فطموحي في العمل مع ممثلين بأنماط لم يعملوا فيها سابقاً، وهو ما يترك لي مساحة للعمل لإبراز وجه جديد وهذه هي مهمة المخرج الأولى بعد تبني النص، فالمخرج الذي لا يتبنى النص هو مخرج منفذ.

* ماذا عن هذه الأدوار، لمن أسندت العمل فيها؟

ـ أغلب الممثلين المشاركين في العمل من سوريا والأردن وهم خالد تاجا، منى واصف، باسل خياط، عبد المنعم عمايري، أمل عرفة، شكران مرتجى، جولييت عواد، زهير النوباني، ديما قندلفت، نادرة عمران، عاكف نجم، ماهر خماش، كما سيشارك في العمل ممثلون جزائريون وتونسيون وفرنسيون يجري التفاوض مع بعضهم والبحث عن البعض الآخر.

* بعد مسيرة طويلة أنتجت فيها أعمالاً كوميدية ودراما اجتماعية، تدخل اليوم تجربة جديدة من نوعها سواء في اعتماد المسلسل اللغة العربية وخليطاً من اللهجات الدارجة في الجزائر وتونس، أو باستناد المسلسل على عمل أدبي، كيف ترى ذلك؟

ـ الفنان سواء كان مخرجاً أو ممثلاً لا يخضع لأي كان من التصنيفات، وليس هناك مخرج كوميدي أو مخرج درامي، فالمخرج هو اولاً وأخيراً مخرج وما يقرر ذلك المادة التي يتعامل معها.

وأنا هنا أذكر بمقولة لي أطلقتها في مواجهة الصحافة التي صنفتني «مخرج الكوميديا»، فقلت يومها: «دون زعل احد، اقترب المخرجون من وكري فخرجوا فاقدي الرأس، والآن سأقترب من أوكارهم»، وأخرجت بعدها في مجال الدراما بمنظور هشام شربتجي وكانت النتائج مقنعة كما في «أسرار المدينة»، «رجال تحت الطربوش»، «رسائل أبو سعيد»، «أيامنا الحلوة» و«الوجه الآخر» وغيرها، التي استطاعت أن تكرس خصوصيتي، وهنا ألفت إلى أن أجمل ما في الدراما السورية هي خصوصية المخرج لا خصوصية الممثل، حيث لا يتقاطع عمل مخرج مع عمل مخرج آخر، والدراما السورية باقة ورد ليس فيها وردة تشبه أخرى لبعدها عن التنميط والتقليد وهو ما يعكس تنوعاً واختلافاً غنياً للمخرجين السوريين.

* ما هي معالجاتك الدرامية لذاكرة الجسد، بالنظر إلى الصعوبات التي أشرت لها في التعامل مع الرواية؟

ـ رغم الوقت القصير الذي لا يتجاوز الشهر، أمضيته في مراجعة السيناريو الذي كتبته أنا والزميل غازي الذيبة في 1000 صفحة وهو ما سيدخلني موسوعة غينيس، إلاّ أنني أعد أن أكون أميناً لأفكار وشخوص احلام مستغانمي وهو ما يعني ظلماً للكثير من المواقف الدرامية التي يمكن أن تخلق في هكذا عمل؛ لكي يبقي على مصداقية الرواية احتراماً مني لهذه الساحرة التي تسمى أحلام مستغانمي.

الرواية مليئة بأحداث تتناول الثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية ومعارك وأحداث وتفاصيل كثيرة وقصص الحب التي تشكل العامل المشترك بين كل ذلك، لهذا سأقدّم شكلاً فنياً جديداً لم تعتده الدراما العربية مازجاً بين تقنيات المسرح وكاميرا السينما، فهناك حوارات طويلة تحتاج أداء مسرحياً، وثمة عشرات المشاهد فيها القليل من الكلمات تستلزم اشتغالاً سينمائياً.

من جهة أخرى، فإن التصوير في مدن جزائرية وأخرى تونسية وفرنسية ولبنانية سيكون بحد ذاته مغامرة كبرى، هناك 425 مشهداً ستصور في باريس، وهي مشاهد مليئة بالإثارة والمخاطر وتفاصيل أخرى.

وكان التعاون مع كاتب السيناريو الشاعر والكاتب الأردني غازي الذيبة رائعاً، وهو ما منحني حرية اختيار الشكل الفني الذي سأقدّمه وهو إعادة مونتاج الزمن، ما يحتاج متابعة دقيقة من المشاهد حيث جرى كسر الزمن، الذي يمتد فترة طويلة في الرواية تعيش خلاله ثلاثة أجيال، بنوع من التخيلات والتهيئات حيث الانتقال من أحداث تجري في المستقبل إلى الحاضر.

على أية حال أنا سأتحمل النجاح أو الفشل لعمل أنا تبنيته، خاصة وأن المركز العربي قدّم له كل إمكانيات النجاح، وكان هامش تدخله أكثر من مثالي ابتداء من إعادة كتابة النص برفقة الزميل الرائع غازي الذيبة وانتهاء باختيار فريق العمل من فنيين وممثلين.

ولكن تبقى صعوبة في التعامل مع الأعمال الأدبية درامياً، فأداة التعبير عند المؤلف هي أداة مجردة وبجرة قلم يأخذك ـ مثلا ـ إلى معارك فيها الكثير من القتل، وهو ما يفقد جزءا كبيرا من المتعة التي تلقاها القارئ عند ترجمته بصرياً؛ لذلك هي مغامرة. وفي الوقت نفسه آمل في إعادة انتاج الكثير من الروايات العربية والعالمية تلفزيونيا مع ابقاء المؤلف في البيت.

* كيف تقرأ مستقبل الدراما السورية في ضوء ما نرى من زخم إنتاجي؟

ـ كثيرون اتهموا الدراما السورية بندرة اطر المعالجة فيها لوجود رقابة وهذا كذب، فمن مهمات الفن الأساسية التلميح وليس التصريح، التلميح الذكي الذي يدخل السعادة في قلب المشاهد. ما وقعت فيه الدراما السورية ـ للأسف الشديد ـ هي الرقابات العربية وليس السورية، فما يرضي بلداً عربياً ما لا يرضي بلداً آخر.

الخطورة التي تخضع لها الدراما السورية من داخلها، وكل ما يأتي من خطورة خارجية هي عنصر ايجابي، فصحوة الدراما المصرية يوماً ما سيكون حافزاً للدراما السورية لتطوير أدواتها، الخطورة الداخلية تكمن في انتقال الدراما من شكل انتاج الهواة والمحبين لها، وهذا ما ميزّها في بادئ الأمر، إلى صنعة ليست لديها قاعدة صناعية.

الخاصية الوحيدة في تطور الدراما السورية ولا يخشى عليها هي أبناء الجيل الجديد من الممثلين، ولكن هؤلاء يحتاجون إلى زمن كي ينجزوا أعمالاً متكاملة، كما هو الحال في حقل الزيتون حيث يحتاج صاحبه إلى صبر سنين، لإنتاج أمثال خالد تاجا ومنى واصف ورفيق سبيعي وغيرهم.

* ما الذي يقلقك تحديداً في العلاقة بين شركات الإنتاج والدراما العربية، والسورية تحديداً؟

ـ أية إهانة أن يوقف مسلسل أنتج بسوية جيدة بناء على طلب مخابرات إحدى الدول الأجنبية؟ أو يمنع كتابة التاريخ لئلا تنتزع العلاقة مع تركيا أو فرنسا أو غيرهما، أن يصبح هامش التفكير خاضعا لمليون حساب، وينبش من التاريخ كل ما يؤذي ويضر وضعنا الحالي، هل هذا هو الوقت المناسب لإنتاج عمل حول هذه الشخصية التاريخية أو تلك.

عمان ـ محمود منير