في الليلة الأخيرة في رواية «ألف ليلة وليلة» ينهي شهريار حكايا شهرزاد، بهدر دم الديك الذي يصيح كل صباح، لتسكت شهرزاد عن الكلام المباح. فكان لا بد من التخلص من الديك وصياحه لاختتام الحكاية. أي استبدال دم شهرزاد المهددة على طوال ألف ليلة وليلة بدم الديك الموقظ على نهاية حكاية كل الليلة.

لكن ماذا حدث في «الليلة الثانية بعد الألف»؟ السؤال الذي طرحه الكاتب جمال ابو حمدان والممثل عابد فهد مع شقيقه المخرج عامر فهد، وحولوا السؤال إلى عنوان لمسلسل درامي جديد يتم تصويره في دبي: في مجمع «باب الشمس» السياحي في الصحراء، في شارع الشيخ زايد، وفي مدينة الجميرا.

سيعرض المسلسل المؤلف من ثلاثين حلقة على شاشات التلفزة في شهر رمضان المقبل. ولكل حلقة عنوانها الخاص. مثل: «المدينة الفاضلة»، «جوائز نوبل»، «تخصيب اليورانيوم»، «معاداة السامية»، «قلب السلطان»، «انفلونزا الطيور»، «اختطاف»، «أزمة بترول»، «أزمة دبلوماسية»، «البيئة»، «عملية موبايل»، وغيرها من العناوين التي تقيم علاقة جدلية أمام من يشاهدها بين المتخيل والواقع، بما يحمل من هواجس وغرائب قد تلامس أحيانا غرائبية حكايا «ألف ليلة وليلة» الأصلية.

و«الليلة الثانية بعد الألف» تتميز بأنها أخرجت العمل التاريخي «الأزلي» إذا صح التعبير، عن الدراما التاريخية التي أوغلت فيها كثيرا الأعمال الدرامية السورية في الآونة الأخيرة. فالدراما هنا تصنعها هموم الواقع، ولو كان عبق التاريخ يحتل مكانا في مساحة العنوان. والأفكار التي تطرحها هذه الدراما هي محل نقاش في كل تشعبات المجتمعات العربية، في السياسة والاقتصاد والثقافة.

بما يعني أن مستويات وأجيال متقاربة ومتباعدة قد يعنيها ما تطرحه هذه الدراما كمادة خام للحوار، حول الماضي والحاضر والغد كمنفذ للنص والمتحاورين على رؤية اشمل من مفترض، أو مفروض لا انزياح عنه. والملفت معالجة جمال ابو حمدان الكتابية لمسائل شائكة، بأساليب الكوميديا السوداء، الملامسة لمسارح الالتباس الانجليزي (جورج فيدونغ)، وتسجيلية ألفرنسي (مارسيل بانويل)،

وعلى خلفية اتكائية على تراث المروي العربي، بما يحمل من غزارة تخييلية تتجاوز مكانه وزمانه، وتبني تصورات عن أحداث المستقبل. خاصة وان شهريار وشهرزاد، يتمتعان بالحكمة وبتلك الرغبة في ثقب الحكاية والكلام إلى حكاية جديدة قبل نهاية الحكاية السابقة. كأن الكلام المروي لا السرد إن صدقت بتخيله لا يمكن أن يكون له نهاية متوقعة أو مخترعة.

في «المدينة الفاضلة» التي يصر شهريار على إقامتها، ترتفع الدراما ارتفاع فكرة المدينة الحلم أو المدينة القصيدة، التي يسعى إلى تحقيقها السلطان لا الفيلسوف هذه المرة. إلى أن تبدل له أفكاره شهرزاد، التي تحسب للسلطان أكثر مما يحسب لنفسه. وفي هذه الحلقة سوف يلحظ المشاهد كيمياء خاصة بين الممثلين عابد فهد وأمل عرفة.

في «قلب السلطان»، يبدل الطبيب قلب شهريار المريض بقلب «نيرون»، فيكتسب سلوكه ويستعيد تلك الأمجاد من العنف. وفي «أزمة دبلوماسية» يصرح السلطان بما يجب أن يكتم، فيقع في أزمات لا تنتهي إلا بتعيين شهرزاد ناطقا رسميا باسم حكومة «شهرستان». فيها إشارة إلى قدرة المرأة الغنية بمخيلتها على ضبط الكلام والتصريحات.لان لو لسانها زل لهنيهة خلال ألف ليلة وليلة لتدحرج رأسها على الفور.

وفي الحلقة أيضا إشارة إلى الموقوف المعكوس، في ما لو كان شهريار في موقع شهرزاد، فهل كان يستطيع الصمود بقدر ما صمدت؟! في «أزمة بترول» يتم اكتشاف بئر بترول في حديقة السلطان، إلى أن يطمر في النهاية بعد مشاكل مع «الأوبك». في «جائزة نوبل» التي تمنح لشهرزاد، وتتخلى عنها لبطلة إحدى قصصها.

أهم ما في هذه الدراما كما يقول عابد فهد انها لا تقع في خطابية النصائح والإرشاد بقدر ما تسخر من الواقع والذات، « كما انها لا تتبنى خطابا سياسيا لاي جهة كانت. بالطبع تتوخى الفن، لكنها تحمل قوليتها النسانية الشاملة.إذ لا يمكن فصل الفن عن الحياة ومستوياتها»،

وحول اختياره لمدينة دبي لتصوير الليلة الثانية بعد الألف يضيف: « دبي بالنسبة لي تعني الكثير. فهي مدينة متنوعة بسكانها، وببنيتها التي يتجاور فيها التراث والقديم مع الحداثة وروح العصر، كما هو نص العمل الذي نصوره يحمل الاشارات والمعاني ذاتها التي تتحلى فيها دبي. فالنص الذي نشتغل يحمل صفات مركبة، لكنها منسجمة مع تنوعها . ولا اعتقد أن هناك مدينة منسجمة مع التنوع في العالم العربي بقدر دبي.

المخرج عامر فهد في تجربته الاخراجية الاولى، بعد ان عمل كمخرج مساعد في أعمال كثيرة أكسبته خبرة، يستفيد منها بتحريك ممثليه، شقيقه عابد فهد في دور شهريار والممثلة أمل عرفة في دور شهرزاد وغيرهما، بدا عارفا خلال حضوري التصوير لأيام بفحوى كوادره. ويبني سياقا لكل حلقة بحسب عنوانها ومغزاها.

يتابع اصغر التفاصيل من الملابس إلى الاكسسوارات والإضاءة والصوت، بمساعدة المخرج المنفذ اليقظ (بيسان عبدالله)، ومنفذ الإضاءة المحترف (احمد عزب)، وتصوير الموهوب (داني عيسى)، ودقة مهندس الصوت (منصف طالب) وشاريو الجلود (عماد عبدالله)، اضافة إلى تصميم ملابس من صناعة هويدا بريدي، الفنانة الرشيقة باختيار الألوان وحركة تقسيمات الأقمشة وادغامها معا في قطعة واحدة، هي عبارة عن وحدة فنية متكاملة.

دبي ـ حسين قطايا: