قال المفكر الراحل إدوارد سعيد ذات مرة، عن سرعة المشاة وهم يسيرون على أرصفة وشوارع المدن الأميركية الكبرى:« إن بعضهم يركض خوفاً من ماض يمكن أن يلحق به، وآخرين يسعون خلف فرصة قبل ان تسبقهم». قد يكون الفقر والعوز اكثر ما يستحقان الفرار منهما إلى أي مكان، ولا مانع ان يكون هذا المكان فرصة جديدة تحسن ظروف العيش، في زمن «اقتصاد السوق» الذي لا رحمة فيه لمن يسقط على جانب طريق مليء بالراكضين واللاهثين والفزعين.

وفي فيلم «مطاردة السعادة» يتشارك الممثل الاميركي ويل سميث الركض السريع مع المخرج الايطالي غابريللي موتشينو على سلم الحياة والسينما، و كأنهما يستفزان حالة اجتماعية بكاملها ببعديها الاقتصادي والسياسي، على ارضية تدعى «الحلم الأميركي»، الذي هو في الأصل ليس اكثر من سعي الفرد لتحقيق السعادة، المختصرة بالثراء وحده، الذي يقول عنه بطل الفيلم حين يشاهد الوجوه البشوشة للذين يعملون في«البورصة»: لماذا لست سعيداً مثلهم؟».

قصة الفيلم مقتبسة من سيرة ثري اميركي يعمل في السمسرة، نجح بعد طول عناء، وقسم سيرة حياته الى فصول، لكل فصل عنوانه مثل:« انتظار الباص»، وهو يحمل آلة تصوير طبية تعمل بالأشعة، ينقلها من مكان إلى آخر في سبيل بيعها ويفشل، ما يؤثر على حياته العائلية، فتتخلى عنه زوجته، ويطرد من منزله أكثر من مرة، لكنه يتمسك بولده الوحيد وينقله معه أينما ذهب، لبيع تلك الآلة «اللعينة»، وللبحث عن مكان ينامان فيه، حتى لو كان مهيناً، إلى أن ينهي فترة تدربه في مكتب شركة كبيرة للسمسرة، ثم يفتتح مكتبه وشركته الخاصة.

هذا الاختصار لقصة الشريط، لا يلغي الشغل الذكي لكاتب السيناريو ستيف كونراد، صاحب الكتابة المفعمة بالحيوية في فيلم «مصارعة ارنست همنغواي»، او في كتابته واخراجه الوحيد في شريط «كيوبيك».

هنا ايضاً يستخدم كل نباهته في تحويل وتشكيل السيرة الذاتية، الى لوحة موزاييك شاملة لطبقات اجتماعية، ولعلاقة الفرد مع المجتمع في قوالب وجودية تدفع بالفرد لان يبحث عن خلاصه الذاتي، فنشهد تخلى الأم عن ابنها تحت وقع فشل الاب في عمله، لكن المثابرة واحتضانه «الأمومي» لطفله يوصلانه في النهاية الى بر آمن، بعد ان تنتصر الاحلام البكر الشفافة الإنسانية على الأحلام المصطنعة، التي يظهرها كونراد في اكثر من مشهد منها: حين يتخيل بطل الشريط مع ابنه وهما مشردان في « أقبية الأنفاق»، انهما عادا بالزمن الى فترة سحيقة بدائية، يبحثان عن كهف يأويهما، فينامان في مرحاض عمومي، ولا يوقظهما من النوم والحلم معا أحد الذين يريدون استخدام المرحاض.

انه الواقع القاسي الجاف امام الحلم الرطب البدائي والجميل، هذه اشارة من كثير استخدمها السيناريست في كتابته الرشيقة، التي وظفها المخرج غابرييللي موتشينو، ضمن تبسيط في الحركة واللغة البصرية، بلا نوازع نحو اطالة او صرامة باستخدام الرموز. فالكاميرا في «مطاردة السعادة» شاهد مجرد يلتقط التعابير والرموز المارة امامها باكتراث مراقب ضجر لتكرار حكايات الفقر والظلم الاجتماعي. والكاميرا ذاتها المجردة تنتبه احيانا الى سقوط « كابتن اميركا» (دمية) يلعب بها الطفل وتسقط منه، ولا يستطيع استعادتها، إذ ان «البطل» الاميركي سقط تحت عجلات الواقع الفج.

وأدار المخرج موتشينو كادراته بحرفية واضحة، كذلك فعل بإدارة ممثليه، من الطفل جادن سميث ابن ويل سميث في الحقيقة ايضاً، الى الام ليندا،(الممثلة ثاندي نيوتن)، صاحبة القدرات الكبيرة شاهدناها في دور رائع في شريط بول هاغيس «كراش».

ويل سميث ثاني اكبر دور في مسيرته

في تسعينات القرن الماضي، أطل ويل سميث من نافذة السينما، كممتلك لحضور لا بأس به، لكنه لم يؤكد نجوميته بأدوار ذات طابع أو مؤثرة، إلا حين عمل تحت إدارة مايكل مان في فيلم «علي» قبل ستة أعوام، عن حياة الملاكم الأسطورة محمد علي كلاي.

وهذا العمل أهله للترشح للأوسكار ولم يحصل عليه، لكنه حصد مديحاً كبيرا من النقاد السينمائيين والجمهور على حد سواء،واعتبر آنذاك انه قدم «دور عمره». وربما لا يمكننا الموافقة كثيراً على مقولة « دور العمر»، لأن الممثل يمكن أن ينجح في أعمال كثيرة، لا يمكن مقارنتها ببعضها، لأن كل أداء يتطلب وفاء وعملاً مختلفاً عن الآخر.

ويثبت ويل سميث في أدائه الأكثر من جيد في «مطاردة السعادة» المقولة المعاكسة لـ «دور العمر» ويقترب خطوة ثابتة من جائزة الأوسكار المرشح لها هذا العام، وإذا لم ينلها فبسبب كثرة المتنافسين ليس أكثر. وهو اليوم نجم حقيقي وممثل كبير، مكرس فعلا لا قولاً، في ثاني اكبر أداء في مسيرته، وبانتظار المزيد.

دبي ـ حسين قطايا