تمثل دبي نموذجاً للتخطيط الاستراتيجي الناجح، حيث ارتقت الإمارة سلم التطوير بالاعتماد على رؤية واضحة للتميّز وفعالية في تقديم الخدمات، فأصبح ابتكار الحكومة متمثلاً في استغلال وتطبيق مبادئ المنافسة وتقييم الأداء التي كانت في الماضي من سمات القطاع الخاص. كما نجحت دبي في اجتذاب أفضل الكوادر البشرية المؤهلة من مختلف أنحاء العالم.
فتشجيع المنافسة والتميّز يتحقق من خلال تقديم جوائز للجهات الحكومية والموظفين المتميزين، وتطوير هياكل إدارية مرنة، وتقديم حوافز للموظفين الحكوميين. وعليه، يمكننا القول بأن دبي ظهرت في الآونة الأخيرة كنموذج حديث ومتطور للابتكار والإدارة الحكومية الجيدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما طرح تساؤلات عدة حول ضمان استمرارية هذا النموذج، ومدى إمكانية تطبيقه في البلدان العربية الأخرى.
اعتمد نجاح التجربة الحكومية في دبي، ولو بشكل جزئي، على عدم وجود موروثات بيروقراطية من حكومات سابقة، إذ سنحت الظروف الخاصة بدبي الفرصة لبناء الإمارة على أسس إدارية سليمة. فعلى دبي النظر للتجارب التي مرت بها بلاد أخرى في المنطقة بهدف تفادي تكرار نفس الأخطاء.
وفي هذا الصدد، من أهم الدروس المستفادة هو توخي الحذر من بناء مؤسسات حكومية وهياكل إدارية جديدة هدفها تفادي أخطاء المؤسسات والهياكل القائمة دون التعامل مع المشاكل من جذورها ومعرفة الأسباب الحقيقية لها. وقد نتج عن منهج بناء الدولة هذا العديد من المشاكل الإدارية التي تواجه الكثير من البلاد العربية حاليا،
ومنها التضارب وعدم التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وما ينجم عنه من سياسات غير مرنة وغير فعالة. ومن المعالم الأخرى لهذه الظاهرة، الفساد الإداري والإنتاجية المنخفضة في المؤسسات والإدارات الحكومية، التي عادة ما تقف عائقاً ضد الإصلاح والتطوير بتقدم الزمن وترسخ الأوضاع.
ويتمحور جوهر الحكم الرشيد في الحفاظ على التوازن بين توقعات المواطنين وموارد وأهداف الإدارة الحكومية، فهو يمثل العامل الأساسي نحو استمرارية التجربة الإدارية الرائدة في دبي. كما وان توفير الخدمات العامة هي إحدى الوظائف والمسؤوليات الأساسية للحكومة،
وقد نجحت حكومة دبي في استغلال العائد المادي من قطاعات السياحة والتجارة والنفط لتوفير هذه الخدمات لمواطنيها واجتذاب الكوادر ذات المؤهلات العالية من جميع أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، مع تزايد العدد السكاني للإمارة بمعدل نمو 5 ,7%، يشكل الوافدون المقيمون فيه 79%،
فإنه من الطبيعي ان تشهد دبي تغييرا وتزايدا في المشاكل والتحديات التي تطرح على حكومتها. فمع الزيادة السكانية والفوارق في معدلات الدخل، من المتوقع زيادة الضغط على البنية التحتية للإمارة، ونسبة الجريمة، ومجموع ومستوى الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين وغير المواطنين على حد سواء.
وهنا يتوجب التنبيه بأن عدم الموازنة في تلبية احتياجات المواطنين والسعي وراء الاستقرار الاجتماعي من خلال توفير شبكات ضمان اجتماعية، أدت في بعض البلدان العربية الى ظهور نوع من التواكل والاعتماد على الوظيفة الحكومية، مما خلق في آخر المطاف الركود الاقتصادي والارتفاع في معدلات البطالة. وهذا لا يعني امتناع الحكومة عن تزويد مواطنيها بالخدمات الأساسية والعامة، لأنها لا تزال الضامن الأساسي للعدالة الاجتماعية.
خاصة وان التجارب السابقة أوضحت ان انعدام قدرة الحكومات ذات الدخل المنخفض على تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها أدى إلى انهيار شرعيتها وظهور العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية التي لا تزال تعاني منها حتى يومنا هذا، فالمطلوب هنا هو الاعتدال والابتكار في تقديم الخدمات، وإيجاد أساليب جديدة لتقديم الخدمات العامة في إطار تعاون اكبر بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
قد يكون التحدي الأكبر والكامن لحكومة دبي هو المحافظة على أنماط النمو التي تم تحقيقها، بالإضافة إلى تطوير نظم إدارية واستراتيجيات جديدة من صميم أوضاع الإمارة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ففي الشهور الماضية، شهدت دبي حوارات مفتوحة حول مواضيع عدة تتعلق بهوية الإمارة، والفصل بين احترام مبادئ وأفكار الجنسيات المتعددة المقيمة في دبي وقواعد السلوك العربية والإسلامية لها.
وقد يتضارب هذا النوع من التفكير مع المنهج الذي دفع نمو دبي، فهو يعتمد في المقام الأول على تعزيز مكانة القطاع الخاص والاقتصاد الحر. وبالفعل انجذاب المستثمرين والكوادر الأجنبية (وفى بعض الأحيان العربية) الى دبي، يعود الى انفتاحها الاقتصادي واستقرارها الأمني والسياسي، الأمر الذي ميزها عن باقي الدول في المنطقة.
ومن ثم، وان كانت دبي قد نجحت في جذب هذا الكم الهائل من الاستثمار والكوادر والتجارة، عليها الآن التصدي للتحدي الذي خلقته لنفسها بتوظيف هذه الموارد لضمان استمرارية التجربة ونجاحها على المدى الطويل. وقد بدأت حكومة دبي بالفعل باتخاذ خطوات جادة لمواجهة هذه التحديات، أولها تقديم برامج تهدف إلى تطوير الكفاءات المحلية وتزويدها بالعلم والمعرفة والمهارات اللازمة لبناء المستقبل والمحافظة على الانجازات ،
فقد تم الإعلان عن استراتيجية دبي للعقد المقبل قبل عدة أيام. وشملت هذه الاستراتيجية المحور الشامل لتطوير العمل الحكومي وإعادة هيكلة القطاع الحكومي دوراً وإدارة. وبالفعل نشهد اليوم نهاية مرحلة البناء الأولية في دبي وانطلاق مرحلة التحدي والمحافظة على الإنجازات كقاعدة لإنجازات أكبر وتنمية مستدامة.
باحثة مساعدة في حقل الابتكار الحكومي في كلية دبي للإدارة الحكومية