إنشاء مركز إقليمي لتنمية الصناعات الصغيرة في دول مجلس التعاون الخليجي لمعالجة اختلالات سوق العمل ومواجهة ظاهرة البطالة في المجتمعات الخليجية كان من أهم البنود التي بحثتها الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في ضوء المشروع الذي تقدمت به دولة الكويت خلال اجتماع الرياض، والذي عرضت توصياته على اللقاء التشاوري الثامن لقادة دول المجلس وعلى أساس أن هذا المشروع هو الحل المناسب للتصدي لمشكلة البطالة والذي يدعم القاعدة الصناعية في دول الخليج.
وداخل نطاق التعاون العربي أيضاً طرحت المنظمة العربية للتنمية الصناعية على الدول العربية والخليجية منذ أيام إمكانية إنشاء بنك عربي لتمويل الصناعات الصغيرة والمتوسطة بعد الحصول على الموافقات المطلوبة من هذه الدول، وذلك بهدف دعم هذه الصناعات وتنمية الشرائح الفقيرة في الدول العربية على غرار تجربة بنك الفقراء في بنجلاديش،
وعلى أن يتم ذلك عن طريق القروض المتناهية الصغر التي أصبحت توجهاً دولياً منتشراً وتتضمنه سياسات وبرامج المؤسسات العاملة في مجال التنمية المستدامة وذلك بعد النجاح الكبير الذي حققته الصناعات الصغيرة في معالجة الفقر في كثير من الدول.
وخلال اجتماع سابق عقده ممثلون عن أربع عشرة مؤسسة تمويل أصغر تنتمي إلى سبع دول عربية خليجية وغير خليجية بمدينة الحمامات التونسية تقرر إنشاء شبكة لمؤسسات التمويل الأصغر على المستوى العربي الشامل، لتكون أول مؤسسة عربية كبيرة تنشأ لهذا الغرض وتمتد فروعها إلى جميع الدول العربية، خاصة منها الدول التي تضم نسبة كبيرة من السكان الذين يحتاجون لخدمات هذه المؤسسة،
وهو المشروع الذي إذا تم تنفيذه فعلاً في المنطقة العربية، سيكون أول مشروع عربي يعطي للأمة العربية ولفقرائها ولاقتصاداتها ما لم يعطه أي مشروع آخر، خاصة أنه سيساعد على علاج البطالة المتزايدة في هذه الدول العربية والتي بلغت ما يقرب من 20% من إجمالي القوى العاملة البالغ عددها حوالي مئة مليون عامل حسب إحصائيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد.
لقد نشأت فكرة التمويل الأصغر في الدول الآسيوية منذ حوالي ربع قرن ثم امتدت إلى مناطق أخرى في العالم خاصة في إفريقيا وأميركا الجنوبية، ودخلت حديثاً إلى العالم العربي وبعض دول أوروبا الشرقية، ولكنها حتى الآن لا تزيد على خمسة في المئة من الخدمات التمويلية في الوطن العربي، كما أن أغلبها مازال تحت الدراسة!!
والمطالبة بتمويل المشروعات الصغيرة لا تقتصر على النطاق العربي الإقليمي بل تمتد إلى النطاق العربي المحلي، وعلى سبيل المثال أبرمت في الأسبوع الماضي اتفاقية تعاونية بين مصر والوكالة الدولية للمعونة الكندية لإنشاء وحدة جديدة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تهدف الاتفاقية إلى تنظيم عدد من البرامج التدريبية للعاملين في هذه المشروعات من جانب والعاملين في البنوك من جانب آخر،
بالإضافة إلى القيام بعدد من حملات التوعية للعاملين في الجهاز المصرفي لزيادة معرفتهم بالطبيعة الخاصة لهذه المشروعات والاحتياجات التمويلية لهم، وذلك في ضوء أهمية هذا التمويل في الاقتصاد القومي وإدراكاً للدور الذي يمكن أن تلعبه البنوك في تمويل هذه المشروعات.
من هنا فإنه يلاحظ الاهتمام الكبير بإنشاء وتطوير المشروعات الصغيرة في المنطقة العربية على جميع المستويات، الإقليمية الشاملة والإقليمية الجزئية والثنائية، وهو ما يجعل قيام المركز الذي قام مجلس التعاون الخليجي بدراسة إنشائه وعرضه على اجتماع القمة الخليجية، يجعله أمراً ضرورياً وعاجلاً،
في ضوء أهمية فكرته، وعلى ألا يقتصر على تقديم التمويل والقروض المتناهية الصغر، لأن ذلك يقوم به عدد كبير من البنوك ومؤسسات التمويل في الدول العربية، ولكنه أصبح دوراً متكاملاً لتحويل شريحة واسعة من العاطلين ومحدودي الدخل في المنطقة العربية (أكثر من نصف سكانها) إلى منتجين ومساهمين بقوة في الدخل القومي بل وللقيام بدور فعال في بعث جديد للأمة العربية وتقويتها. وفي إمكانيات معالجة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة في النصف قرن الأخير.
على أن الغالبية العظمى من المفكرين الاقتصاديين العرب وقعوا في خطأ علمي كبير عندما اعتقدوا أن بنك الفقراء «بنك جرامين» هو مجرد بنك يقوم بتمويل المشروعات الصغيرة أي بدور ائتماني فقط لأن هذا البنك يقوم بدور متكامل في تنمية اقتصادية شاملة وبعث جيل جديد من السكان الفقراء والمعدومين الذين وصل بعضهم في بعض الدول إلى درجة المجاعة،
وهو ما حدث في بنجلاديش عندما أنشئ بنك جرامين عام 1981، لأن الذي فكر في إنشاء هذا البنك هو الدكتور محمد يونس الذي حصل على جائزة نوبل مناصفة مع المؤسسة التي أنشأها، كان يفكر في تنمية المجتمع ومعالجة الفقر وتنويع اقتصادي شامل في الدخل القومي، وهو عمل استحق عليه فعلاً جائزة نوبل.
إن «بنك جرامين» ليس بنكاً للفقراء ولكنه مؤسسة اجتماعية شاملة تتولى الشباب المدرك منذ بداية حياته العملية وتساهم في تعليمه وتدريبه وتأهيله وتمويله ومساعدته في إنتاج السلعة أو الخدمة التي تتفق مع استعداداته وإمكانياته الشخصية ثم تقوم بمساعدته أيضاً في تسويق هذه السلعة أو الخدمة في الداخل أو الخارج
وإلى أن يقوم بتحصيل قيمة منتجاته وسداد التزاماته وتنمية موارده النقدية والمادية، ويهمني أن أعرض فيما يلي بعض الأسس التي يسير عليها بنك جرامين والتي كانت السبب في نجاح دوره الاقتصادي والاجتماعي والحصول على الجائزة:
1ـ يتعامل البنك مع مجموعات وليس مع أفراد، تضم المجموعة خمسة أفراد في المتوسط، ويقدم قروضه إلى كل من هذه المجموعات كوحدة واحدة، فإذا مرض واحد في المجموعة أو تعثر في إنتاج السلعة التي حصل على القرض من أجل إنتاجها، أعانه باقي أفراد المجموعة في العمل بحيث تكون المجموعة قادرة ومتضامنة في سداد القرض بأكمله، وهو ما ساعد على وصول نسبة السداد إلى 97 في المئة من مجموع المدينين للبنك.
2ـ أقام البنك شركة لتسويق السلع التي تنتجها هذه المجموعات في الدول الأجنبية واستطاع في الأعوام الأخيرة أن يصدر ملايين الأمتار من المنسوجات وحدها إلى إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها في الدول النامية، مما كان يعود بعائد مجز على أفراد المجموعات التي ساهمت في الإنتاج، ساعدها في سداد القرض والحصول على ربح مجز لكل فرد فيها والانتقال إلى وضع معيشي أفضل.
3ـ إن المقترضين الفقراء الذين يتعاملون مع البنك أصبحوا هم أنفسهم الذين يملكون البنك حيث وضع الدكتور محمد يونس الذي أنشأ البنك نظاماً يؤدي إلى بيع سهم في رأسمال البنك قيمته عشرة دولارات للمقترض الذي تبدأ أحواله في التحسن ويقوم بسداد القرض، وبذلك فإن قروض البنك ساعدت النسبة الكبرى من المتعاملين معه على تحسين أحوالهم وتقدمهم المادي، وقد أصبحت هذه النسبة الكبرى تملك نصيباً كبيراً في رأسمال البنك.
4ـ إن البنك هو الذي كان يذهب إلى الناس غير القادرين والذين ربما لم يتعاملوا مع بنوك من قبل، وهو ما يختلف كثيراً عن البنوك التي نعاصرها في الشرق والغرب حيث يذهب للمتعاملين من الشباب والفقراء ويعرض عليهم النشاط الإنتاجي والمال والخبرة والمساعدة في التسويق لحين الوقوف على أقدامهم وإنجاحهم في الأنشطة التي يقومون بها.
5ـ توجد إقرارات يبلغ عددها 12 إقراراً من بينها مثلاً أن يلتزم المقترض بإرسال أولاده إلى المدارس عندما يبلغون سن التعليم وأن يعلم الأميين في عائلته القراءة والكتابة، وأن يركب صنبوراً للماء في بيته، وأن يلتزم بتنظيم الأسرة، وكل ذلك من الأمور الأولية التي تساعد الأسرة على التقدم وتبعث فيهم روح التعاون والقضاء على التخلف، وهذه هي الرسالة الاجتماعية للبنك والتي نجح فيها بشكل واضح.
أقول إن قيام مجلس التعاون لدول الخليج بإعداد دراسة الجدوى لإنشاء مركز كبير أو مؤسسة كبيرة تقوم بأعمالها على غرار «بنك جرامين» في ضوء الأسس المتقدمة وبما يتناسب مع المنطقة العربية ثم تشكيل مجموعة عمل للتنفيذ عن طريق كبار رجال الأعمال العرب في المنطقة العربية مع التركيز على دول الخليج، هذا العمل سيكون نقطة تاريخية في حياة الأمة العربية،
لأنها ستؤدي إلى بعث جديد في حياة السكان العرب في كافة الدول العربية، غنيها وفقيرها، كبيرها وصغيرها، وذلك بما تتضمنه من زيادة كبيرة في الدخل القومي العربي الشامل، ربما على نطاق أوسع مما أدت إليه زيادة أسعار البترول وإن كان على المدى الطويل.
ولاشك ستكون هذه مبادرة طيبة من مجلس التعاون الخليجي، ويدعى لتنفيذها كبار رجال الأعمال العرب الغيورون على صالح بلادهم، والذين يحزنهم رؤية بلادهم العربية تنهار وتتدهور بينما تملك ثروات بشرية ومادية ضخمة بالمقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، وسيكون هذا العمل أيضاً إنجازاً تاريخياً سيسجله التاريخ للمجلس ولأمينه العام ولكل المتطوعين الذين ساهموا في تنفيذ الفكرة وإنشاء المؤسسة.
كاتب اقتصادي مصري
y_elmasry000@hotmail.com