مع إعلان الاتحاد الافريقي الذي يشكل العرب الأفارقة ثلث سكانه، بدأ السعي الافريقي نحو النهضة والتنمية في ظل الروح السياسية الجديدة لاستعادة الذات التي تسود القارة يفرض على القوى العالمية المتنافسة للهيمنة والنفوذ السياسي والاقتصادي على الثروات الكامنة في إفريقيا التراجع عن سياساتها الاستعلائية والاستعمارية السابقة، وإعادة صياغة السياسات الجديدة والأطر الجديدة لعلاقاتها المتقاطعة مع قارة الفرص الواعدة.
وفي كلمته في افتتاح القمة الفرنسية الأفريقية الأخيرة أكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك أنه في ظل النهضة النامية للاتحاد الافريقي فإن العالم من الآن فصاعدا عليه أن يحسب حسابا لإفريقيا وقال إن إفريقيا غنية لكن الأفارقة ليسوا أغنياء، والثروة التي تملكها من المعادن والخامات والغابات موارد طبيعية تعزز التنمية لكنها تثير المطامع، ومع ذلك فإن العالم الجديد الذي يرتبط فيه مصير الشعوب لا يمكن أن ينعزل مستقبله مع مستقبل إفريقيا.
ويترجم العنوان الذي دارت في إطاره جلسات هذا المنتدى الفرنسي الافريقي الرابع والعشرين، إفريقيا والتوازن العالمي، ما عبر عنه الرئيس الفرنسي في كلمته كما عكس روح التنافس الدولي على إفريقيا والوزن المتنامي للسوق الافريقية الكبيرة بسكانها الذين يتجاوزون الربع مليار نسمة، وبمواردها الطبيعية، وبمعدل تنميتها المتنامي والذي بلغ متوسطه نحو 5%عدا دول جنوب الصحراء وأخيرا بوزن إفريقيا السياسي وموقعها الاستراتيجي.
ولا يخفى على المراقبين الاهتمام العالمي المتزايد لترتيب علاقات استراتيجية مع القارة الناهضة من جانب الدول الكبرى المتنافسة على النفوذ والاقتصاد ومصادر الطاقة في العالم، خصوصا ذلك التنافس الأميركي الأوروبي وخصوصا الفرنسي، والأميركي الصيني والأميركي الروسي، والملفت أن هذا المسعى التنافسي الأميركي يسعى أيضا إلى تفكيك التكامل الاقتصادي والسياسي العربي الافريقي بل الافريقي ـ الافريقي نفسه.
وبينما كانت أوروبا في عهود الاستعمار هي المسيطر الوحيد على عموم إفريقيا وكان التنافس على السيطرة أوروبيا بحتا،خصوصا بين النفوذ البريطاني والفرنسي، بدأ التواجد الروسي والصيني في القارة في مواجهة السيطرة الأوروبية مع تفجر حركات التحرير وبداية عصر الاستقلال خاصة في الستينات فظلت الحرب الباردة التي ما ان انتهت لصالح أميركا حتى بدأت الالتفات إلى القارة لوراثة النفوذ الاستعماري الأوروبي الذي ظلت فرنسا محافظة عليه ولمواجهة النفاذ الروسي والصيني.
وبينما كان السعي الأميركي إلى إفريقيا يبدو جزءا من أجندتها الكونية، كان التشبث الفرنسي باستمرار الوجود في إفريقيا هو انعكاس لأجندتها القارية، ولم تبدأ أميركا التحرك الاستراتيجي لتنفيذ الأجندة الكونية إلا في أواخر الثمانينات بدراسة خطط النفاذ الجديد، وفي جولات لوزيري التجارة والخارجية سبقت جولة كلينتون الافريقية لإبعاد النفوذ الأوروبي والروسي والصيني عن إفريقيا ومحاولته وراثته خالصا لأميركا.
يتضح ذلك من تصريح لوزير التجارة الأميركي في زيارته لجنوب إفريقيا عام 98 بقوله إنه آن الأوان لوضع إفريقيا على أولويات الاهتمام الأميركي وعدم ترك إفريقيا كما كان في السابق للأوروبيين. وفي نهاية الجولة أعلن كلينتون من غانا أن العام المقبل سيكون عام إفريقيا، وأن العلاقة مع دولها ستكون على أساس الشراكة معلنا عن زيادة حجم التبادل التجاري بدلا من المساعدات المباشرة.
وبينما تراجع النفوذ البريطاني في القارة مع تمدد النفوذ الأميركي حدث العكس بالنسبة للنفوذ الفرنسي التي أبقت عددا من القواعد العسكرية، ووسعت من علاقاتها بإفريقيا الفرنسية من خلال المنظمة الفرانكوفونية لتتجاوزها إلى تدعيم علاقاتها الخاصة بدول إفريقيا غير الفرنسية بأجندة قارية الأمر الذي تبلور في القمم الفرنسية الافريقية التي بدأت في السبعينات وكانت قمة كان الأخيرة هي الرابعة والعشرين.
وبينما يتراجع النفوذ الأميركي في القارة بفعل سياسة القوة العسكرية والهيمنة السياسية، يتمدد بقوة النفاذ الصيني والفرنسي حيث تتزايد المساعدات الاقتصادية الصينية لتنمية إفريقيا. ويزداد حجم الاستثمارات الصينية في إفريقيا خاصة في مجالات الطاقة إلى مستويات عالية تطبيقا لمقررات قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني الافريقي. فيما تبقى فرنسا من أولى الدول التي تقدم المساعدات لإفريقيا إذ بلغت مساعداتها لدول جنوب الصحراء ما قيمته 7,6مليارات يورو بما نسبته حوالي 57% من إجمالي المساعدات الفرنسية الخارجية.
وإذ جاءت جولة الرئيس الصيني هوجن تاو الأفريقية الاستراتيجية بهدف ترسيخ التعاون الصيني الافريقي على الأرض كنوع من موسم الهجرة إلى الجنوب، جاء منتدى التعاون الفرنسي الأميركي 2007 في أعقاب المنتدى الصيني بما يشبه موسم الهجرة إلى الشمال مع وعد بالعودة من الشمال إلى الجنوب في منتدى القاهرة للتعاون الافريقي الفرنسي عام 2009.
كاتب مصر
bmamdoh77t@hotmail.com