يغلب على «حفنة» الدراسات التي تمطر وسائل الإعلام هذه الأيام صبغة «التفاؤل» أو «رغبات وأمنيات شخصية لا تمت للواقع بصلة» مبشرة بقرب موعد «طفح القدح العقاري» بزيادة في الوحدات السكنية بعد معاناة استمرت طيلة سنتين من «النضوب» في السوق العقاري المضغوط بمئات قوائم الطلب بشقيه السكني والمكتبي.!!
لكن ما يثير الدهشة هو أن كل التقارير تتحدث عن «الزيادة» المحتملة في عقارات دبي وتنسى تزايد الطلب في المدينة نفسها وفي باقي مدن الدولة وأبرزها أبوظبي والشارقة وعجمان وغيرها. وعلى الرغم من افتقار تلك الدراسات لأرقام دقيقة توضح عدد الوحدات السكنية المحتمل دخولها إلى السوق إلا أن إحدى تلك الدراسات تحدثت عن دخول أكثر من 70 ألف وحدة سكنية إلى السوق في العام الجاري 2007
فأغفلت تلك الدراسات عن جهل أو عمد عدد المشاريع التي تأخرت عن مواعيد التسليم ومنها ما سيتأخر لأشهر قادمة وربما لعام لأسباب خارجة عن يد المشركة المطورة وتتعلق بنقص مقاولي الباطن أو ارتفاع أسعار مواد البناء التي دفعت بالعديد من المطورين إلى إعادة حساباتهم والبحث عن بدائل تحول دون حدوث خسائر مالية.
وبات هناك من يربط بين تراجع أسعار النفط وبين احتمال قيام الدول الخليجية (ضمنها الإمارات ) بتخفيف اندفاعاتها نحو مشاريع التطوير العقاري عبر ضخ جانب كبير في عوائد النفط في تلك السلعة بينما ينسى أصحاب ذلك الرأي 5 سنوات من الارتفاع المستمر في أسعار النفط، لن يدفع بتلك الدول إلى الضغط على «المكابح» فورا لأنها تملك مدخرات كافية لاستيعاب أي تراجع في أسعار النفط.
وتذهب دراسة أخرى إلى حركة شبيهة «بزراعة الخوف» في قلوب البنوك عندما تتحدث عن «أن أي تراجع سعري في أسعار العقارات في دبي قد يؤدي إلى أزمة في بطاقات الائتمان بالنسبة إلى البنوك الإماراتية» ناسين أن البنوك تعرف قبل غيرها أن صناعة الرهن العقاري في الإمارات لا تزال في بداياتها
وتشكل جزءاً صغيراً من القروض المصرفية في حين أنها تشكل في الكثير من الأسواق العقارية الناضجة حصة كبيرة من محفظة القروض المصرفية» وربما يكفي أن نلقي نظرة إلى مبايعات أراضي دبي التي سجلت بنهاية العام الماضي أكثر من 15 مليار درهم رهونات وبما يعادل نصف القيمة الإجمالية لمبالغ مبيعات أراضي المدينة».
النفط
وحتى لو سلمنا بقضية تراجع أسعار النفط على الرغم من تقلباتها إلا أن معظم الخبراء يوافقون على أن أي ضعف في أسعار النفط هو تصحيح سعري فقط في إطار اتجاه صعودي على المدى الطويل. وبالكاد تكفي الإمدادات النفطية السوق، وتبقى الاكتشافات النفطية الجديدة نادرة مع أن العراق اكتشف مؤخرا نفطا بكميات هائلة ولكن في أكثر المناطق التهابا وعدم استقرار فيه.
دور الحكومة
ويجب على المراقبين أن لا ينسوا أن حكومة دبي تبقى عاملاً مؤثراً بقوة في السوق العقاري. وكما ذكر «ستاندرد تشارترد بنك»، فانه لا يمكن التقليل من شأن قدرة الحكومة على التحرك تجاه الظروف المتغيرة فقد حددت نسب الزيادة في الإيجارات وبعد أن كانت 15% أصبحت 7%.
وعلى سبيل المثال، يمكن أن تختار البقاء مع مخزون من الوحدات من دون اللجوء إلى البيع أو التأجير مع تراجع الأسعار. وقد عاشت دبي هذه الظاهرة في التحول الأخير الذي شهده السوق العقاري في عام 1999 عندما اتفق الملاك العقاريون على خطوات موحدة لإدخال تحسينات على أسعار الإيجارات. طبقا لخبير في آمي انفو وهذا الأمر يمكن أن يحبط المستأجرين الذين يراهنون على تراجع كبير في أسعار الإيجارات، كما يشكل إحباطا للذين ينتظرون تراجع الأسعار للقيام بالشراء.
مخاوف وتطمينات
الدكتور محمد صالح رئيس مجلس إدارة «كابيتال بلس القابضة» للاستثمار العقاري أرجع مخاوف البعض من تعرض القطاع المصرفي في الدولة إلى التصحيح السعري المحتمل في أسعار العقارات على خلفية «تقرير أصدره «دويتشه بنك» عن القطاع المصرفي في الإمارات وبقاء 4 ,9 مليارات دولار في شكل قروض عالقة منذ انهيار الأسهم».
وقال إن البعض يرى أن تتحول تلك القروض إلى قروض معدومة، ولذلك لم تحصل أي عمليات شطب لأن المقترضين هم بصفة أساسية من العملاء الأثرياء جداً». ويتساءل الدكتور صالح عن الأسباب العلمية التي تجعل البعض يبشر بانهيار السوق العقاري من وراء البحار «في إشارة إلى آراء بعض المراقبين الأجانب الخبراء في الأسواق العقارية في الدول الغربية الذين قالوا إن السوق العقاري في دبي يشبه منزلاً ورقياً مهدداً في كل لحظة بالانهيار،
ويفترضون أن أي تصحيح سعري في القطاع العقاري سيؤدي إلى أزمة في بطاقات الائتمان بالنسبة إلى البنوك الإماراتية». ويؤكد الدكتور صالح «هذا التقييم لا يمت إلى الواقع بصلة وربما هو اقرب إلى الخطأ منه إلى الصواب فالقطاع المصرفي في الإمارات بعيد كل البعد عن أية مخاطر محتلمة فقد شهدت مبايعات أراضي دبي العام الماضي تسجيل أكثر من 15 مليار درهم رهونات
وبما يعادل نصف القيمة الإجمالية لمبالغ مبيعات أراضي المدينة، ما يجعلنا نجزم بأن صناعة الرهن العقاري في الدولة في بداياتها وتشكل جزءاً صغيراً من القروض المصرفية في حين أنها تشكل في الكثير من الأسواق العقارية الناضجة حصة كبيرة من محفظة القروض المصرفية.
اختلاف
وهناك من يختلف مع الدكتور صالح في بقاء البنوك بعيدا عن المخاطر وهو خبير في امي انفو ويقول ولكن البنوك الإماراتية معرضة للمخاطر في ناحيتين: الأولى القروض الممنوحة للمقاولين والمطورين، والثانية، وان بمقدار اقل، في سوق القروض الشخصية حيث يتم استخدام جزء منها في القطاع العقاري.
ويرد الدكتور صالح بالقول«بالعكس هؤلاء(المقاولون والمطورون) ما زالوا يدفعون الفوائد فهل في ذلك تهديد للبنوك أم فرصة كبيرة لها؟ والآن بعد استبعاد تأثر البنوك الإماراتية بأي تصحيح سعري يتوقعه الكثير على نطاق واسع، فإنه يمكن أن يشكل فرصة أكثر منه تهديداً لنوعية محافظ قروضها.
وذلك لأنه بقدر ما تتراجع أسعار العقارات إلى مستويات مقبولة فان الطلب على التمويل العقاري سيرتفع بشدة. فهل يكون هذا المصدر الجديد من الإقراض ـ والبنوك في مختلف أنحاء العالم تحقق جزءاً كبيراً من أرباحها من هذا المصدر ـ أكثر أهمية من القروض المعدومة الناتجة عن التصحيح السعري؟
ربما لهذا السبب نلاحظ أن البنوك تستطيع تحمل القروض المعدومة الناجمة عن انهيار الأسهم، على الرغم من أن الخبراء يرون أن لا حاجة لمخصصات القروض المعدومة لأن المقترضين لا يزالون حتى الآن يسددون الفائدة، ولذلك لا يمكن الحديث عن قروض معدومة.
وباختصار، فان البنوك الإماراتية تستطيع أن ترى الصورة مكبرة في الإمارات، وبالنسبة إليها فان نضوجاً سريعاً للسوق العقاري، يتركز أساسا على دبي ويتجه الآن صوب أبوظبي، يعتبر أخباراً جيدة.
طفرة
رجل الأعمال محمد السيوفي مدير مجموعة تريبل ايه للاستثمار والتطوير والتسويق العقاري يقول «ضخامة المشاريع العقارية المطروحة والتي باتت تقترب شيئا فشيئا من مواعيد انجازها سواء تلك التي في دبي أو ابوظبي والشارقة وعجمان ستكون مهما بلغت «لقمة» سهلة في «فم» قوائم الطلب في السوق وذلك ما يجعلنا متأكدين من انتعاش غير مسبوق في سوق التمويل العقاري المحلي سواء عبر برامج البنوك أو شركات التمويل العقاري المعروفة.
وربما - يضيف السيوفي- هذا الافق الواسع من فرص النمو هي التي تجعل البنوك تضغط باتجاه توضيح القانون ما سيمكنها من طرح احدث وارخص برامج التمويل العقاري. الفائدة على التمويل العقاري في دبي حاليا تتراوح بين 5,8% و 9% مقارنة مع 6% مثبتة على مدى 30 سنة في الولايات المتحدة.
من جهتها تتوقع البنوك الإماراتية تدفقا في طلبات التمويل العقاري وبضخامة خصوصا من جانب اصحاب الدخول المتوسطة في المدينة من الذين يتطلعون لشراء منزل والتحول من خانة المستأجر إلى خانة المالك. ويبدو ان ذلك كله مرهون بصدور تعديلات على تلك القوانين.
حركة تصحيحية
السؤال التقليدي الذي يطرح حاليا هو «هل تعتقدون أو تتصورون أن سوق العقارات في دبي سيشهدُ حركةً تصحيحيةً في المستقبل القريب عندما يتم الانتهاء من المشروعات الحالية التي هي قيد الإنشاء الآن؟» ويأتي الجواب من كريج جونسون، المدير العام لشركة «لاندمارك للعقارات» فيقول «لا أعتقدُ ذلك، إذ تملك دبي اقتصاداً قوياً، كما يقوم اقتصاد دبي على أسس سليمة ومتينة.
أما ما أتصوره أنا فهو أننا سنشهدُ تساوياً في العرض والطلب وهو الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تباطؤ حركة الشراء، حيث إن المشترين المحتملين سيفكرون في الأمر ملياً ويفكرون في كافة العقارات المتاحة قبل أن يقرِّروا شراء هذا العقار أو ذاك. ولم نصل إلى هذه المرحلة إلا مؤخراً،
إذ شعر المشترون المحتملون سابقاً بأن عليهم أن يشتروا بسرعة قبل أن يضيِّعوا فرصاً عقاريةً قد لا يمكن تعويضها لاحقاً. إننا نشهد سوقاً مناسبةً للمشترين اليوم، وأعتقد أن هذه ظاهرة صحية، حيث إنها ستدفع المطوِّرين ومؤسسات الرهن العقاري إلى تقديم عروض أفضل للمشترين من أجل استقطابهم.
دهشة
المهندس عبدالله عطاطرة عبر عن استغرابه من صدور تقارير فبعد «تقرير مؤسسة «اي اف جي هيرمس» عن السوق العقاري في دبي، صدر تقرير مشترك جديد عن «شعاع كابيتال» ومقرها دبي و«كوليرز انترناشيونال». ويدعي التقرير انه سيتم تسليم 71800 وحدة سكنية جديدة خلال العام الجاري و 43 ألف وحدة سكنية في 2008،
ينما الكل يعرف ان قطاع الإنشاءات غير قادر على تسليم ما بين 15 ألف و30 ألف وحدة سكنية في السنة ولكن اولئك يعتقدون وفقا لأرقامهم ان نقصا في الطلب وزيادة في المعروض ستنجمان اثر دخول تلك الأرقام ما يعقبها تراجع أسعار العقارات بحدود 25% في بعض المشاريع العقارية، في الوقت الذي شهدت الأسعار ارتفاعات خلال العامين الماضيين ما يجعل من ال25% غير مؤثرة على الإطلاق على الأسعار
ومن الصعب جداً ان نمنح الكثير من المصداقية لمثل هذه التوقعات، اذ ان التقديرات بالنسبة إلى عام 2007 تتراوح بين 30 ألف وحدة من «تمويل» إلى 71800 وحدة وفقاً لتقرير «شعاع كابيتال» و«كوليرز انترناشيونال». وهذا الفارق يمكن ان يكون الفارق بين سوق يعاني من نقص في المعروض أو من فائض.
هل هو إنذار؟
الدكتور شهرام عبدالله زاده الرئيس التنفيذي لشركة الفجر للعقارات يعتقد بان «تلك التقارير التي تصدر يوميا حول العرض والطلب وان كانت تتحدث عن دبي وحدها ناسية أبوظبي والشارقة وعجمان وغيرها من إمارات الدولة يمكن التعامل معها ولكنها إشارات يجب أخذها بنظر الاعتبار وليس إنذارا من العيار الثقيل.
ويضيف «ان النظرة إلى الأسعار سلبية بالنسبة إلى الأعوام القليلة المقبلة، وبالتالي فان الشراء وفق نظرة متفائلة للمستقبل القريب يعتبر ضرباً من الجنون». ويلفت «البديل المنطقي بالنسبة إلى بعض المشترين الافراد هو استبدال الايجارات المرتفعة بتمويل عقاري ذات هيكلية مقبولة، اضافة إلى خطة طوارئ للحفاظ على عقار لوقت أكثر من المتوقع إذا تراجعت القيم الرأسمالية بشكل كبير وأخذت وقتاً لتتعافى.
ولسوء الحظ فان الكثير من المستثمرين في السوق العقاري ينظرون إلى الأمر كما نظر المستثمرون إلى الأسهم عندما اشتروا هذه الأسهم في 2005 وندموا على الأمر في 2006. ومن المؤسف في عالم الاستثمار أن أرباحا بنسبة 100% خلال سنة تعني خسائر كبيرة في السنة التالية وليس أرباحا ضخمة.
وتقول «أي اف جي هيرمس» انه ستحدث حالة من التراجع وسط الشركات العقارية مع تدهور السوق وإلغاء بعض المشاريع أو تعليقها، ومن الواضح ان هذا الأمر سيجعل من الصعب إطلاق التوقعات المستقبلية. ولذلك فان الإيمان الأعمى بالقطاع العقاري في المستقبل القريب ستحل مكانه نظرة أكثر حذراً.
تحليل: مشرق علي حيدر


